و من هذا الباب قوله تعالى:"ليس كمثله شيء": الشورى: 11 وقوله تعالى:"لمثل هذا فليعمل العاملون": الصافات: 61 والمراد أن كل ما اتصف من الصفات بما اتصف به الله سبحانه لا يشبهه ولا يماثله شيء ، وإن كل ما اشتمل من الصفات على ما اشتملت عليه الجنة وماثلها في صفاتها فليعمل العاملون لأجل الفوز به.
وإن كان المراد بالتمكين مطلق تمكينه في الأرض فتشبيهه بما ذكر من الوصف من قبيل تشبيه الكلي ببعض أفراده ليدل به على أن سائر الأفراد حالها حال هذا الفرد أو تشبيه الكل ببعض أجزائه للدلالة على أن الأجزاء الباقية حالها حال ذاك الجزء المذكور فيكون المعنى كان تمكيننا ليوسف في الأرض يجري على هذا النمط المذكور في قصة خروجه من الجب ودخوله مصر واستقراره في بيت العزيز على أحسن حال فإن إخوته حسدوه وحرموا عليه القرار على وجه الأرض عند أبيه فألقوه في غيابة الجب وسلبوه نعمة التمتع في وطنه في البادية وباعوه من السيارة ليغربوه من أهله فجعل الله سبحانه كيدهم هذا بعينه سببا يتوسل به إلى التمكن والاستقرار في بيت العزيز بمصر على أحسن حال ثم تعلقت به امرأة العزيز وراودته هي ونسوة مصر ليوردنه في الصبوة والفحشاء فصرف الله عنه كيدهن وجعل ذلك بعينه وسيلة لظهور إخلاصه وصدقه في إيمانه ثم بدا لهم أن يجعلوه في السجن ويسلبوا عنه حرية معاشرة الناس والمخالطة لهم فتسبب الله سبحانه بذلك بعينه إلى تمكينه في الأرض تمكينا يتبوأ من الأرض حيث يشاء لا يمنعه مانع ولا يدفعه دافع.
وبالجملة الآية على هذا التقدير من قبيل قوله تعالى:"كذلك يضل الله الكافرين": المؤمن 74 وقوله:"كذلك يضرب الله الأمثال": الرعد: 17 أي إن إضلاله تعالى للكافرين يجري دائما هذا المجرى ، وضربه الأمثال أبدا على هذا النحو من المثل المضروب وهو أنموذج ينبغي أن يقاس إليه غيره.
وقوله:"و لنعلمه من تأويل الأحاديث"بيان لغاية التمكين المذكور واللام للغاية ، وهو معطوف على مقدر والتقدير: مكنا له في الأرض لنفعل به كذا وكذا ولنعلمه من تأويل الأحاديث وإنما حذف المعطوف عليه للدلالة على أن هناك غايات أخر لا يسعها مقام التخاطب ، ومن هذا القبيل قوله تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75 ونظائره.
وقوله:"و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"الظاهر أن المراد بالأمر الشأن وهو ما يفعله في الخلق مما يتركب منه نظام التدبير قال تعالى:"يدبر الأمر": يونس: 3 ، وإنما أضيف إليه تعالى لأنه مالك كل أمر كما قال تعالى:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين: الأعراف: 54."
والمعنى أن كل شأن من شئون الصنع والإيجاد من أمره تعالى وهو تعالى غالب عليه وهو مغلوب له مقهور دونه يطيعه فيما شاء ، ينقاد له فيما أراد ، ليس له أن يستكبر أو يتمرد فيخرج من سلطانه كما ليس له أن يسبقه تعالى ويفوته قال تعالى:"إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3.
وبالجملة هو تعالى غالب على هذه الأسباب الفعالة بإذنه يحمل عليها ما يريده فليس لها إلا السمع والطاعة ولكن أكثر الناس لا يعلمون لحسبانهم أن الأسباب الظاهرة مستقلة في تأثيرها فعاله برءوسها فإذا ساقت الحوادث إلى جانب لم يحولها عن وجهتها شيء وقد أخطئوا.