فهرس الكتاب

الصفحة 2258 من 4314

و العادة الجارية تقضي أن لا يهتم السادة والموالي بأمر أرقائهم دون أن يتفرسوا في وجه الرقيق آثار الأصالة والرشد ، ويشاهد في سيماه الخير والسعادة ، وعلى الخصوص الملوك والسلاطين والرؤساء الذين كان يدخل كل حين في بلاطاتهم عشرات ومئات من أحسن أفراد الغلمان والجواري فما كانوا ليتولعوا في كل من اقتنوه ولا ليتولهوا كل من ألفوه فكان لأمر العزيز بإكرام مثواه ورجاء الانتفاع به أو اتخاذه ولدا معنى عميق وعلى الأخص من جهة أنه أمر بذلك امرأته وسيدة بيته وليس من المعهود أن تباشر الملكات والعزيزات جزئيات الأمور وسفاسفها ولا أن تتصدى السيدات المنيعة مكانا ، أمور العبيد والغلمان.

نعم: إن يوسف (عليه السلام) كان ذا جمال بديع يبهر العقول ويوله الألباب ، وكان قد أوتي مع جمال الخلق حسن الخلق صبورا وقورا لطيف الحركات مليح اللهجة حكيم المنطق كريم النفس نجيب الأصل ، وهذه صفات لا تنمو في الإنسان إلا وأعراقها ناجمة فيه أيام صباوته وآثارها لائحة من سيماه من بادىء أمره.

فهذه هي التي جذبت نفس العزيز إلى يوسف - وهو طفل صغير - حتى تمنى أن ينشأ يوسف عنده في خاصة بيته فيكون من أخص الناس به ينتفع به في أموره الهامة ومقاصده العالية أو يدخل في أرومته ويكون ولدا له ولامرأته بالتبني فيعود وارثا لبيته.

ومن هنا يمكن أن يستظهر أن العزيز كان عقيما لا ولد له من زوجته ولذلك ترجى أن يتبنى هو وزوجته يوسف.

فقوله:"و قال الذي اشتراه من مصر"أي العزيز"لامرأته"وهي العزيزة"أكرمي مثواه"أي تصدي بنفسك أمره واجعلي له مقاما كريما عندك"عسى أن ينفعنا"في مقاصدنا العالية وأمورنا الهامة"أو نتخذه ولدا"بالتبني.

قوله تعالى:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"قال في المفردات ، المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشيء قال ويقال: مكنته ومكنت له فتمكن ، قال تعالى:"و لقد مكناكم في الأرض""و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه""أ ولم نمكن لهم""و نمكن لهم في الأرض"قال: قال الخليل: المكان مفعل من الكون ، ولكثرته في الكلام أجرى مجرى فعال فقيل: تمكن وتمسكن مثل تمنزل.

انتهى.

فالمكان هو مقر الشيء من الأرض ، والإمكان والتمكين الإقرار والتقرير في المحل ، وربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشيء من الأمور المعنوية كالمكانة في العلم وعند الناس ويقال: أمكنته من الشيء فتمكن منه أي أقدرته فقدر عليه وهو من قبيل الكناية.

ولعل المراد من تمكين يوسف في الأرض إقراره فيه بما يقدر معه على التمتع من مزايا الحياة والتوسع فيها بعد ما حرم عليه إخوته القرار على وجه الأرض فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس ليسير به الركبان من أرض إلى أرض ويتغرب عن أرضه ومستقر أبيه.

وقد ذكر تعالى تمكينه ليوسف في الأرض في خلال قصته مرتين إحداهما بعد ذكر خروجه من غيابة الجب وتسيير السيارة إياه إلى مصر وبيعه من العزيز وهو قوله في هذه الآية"و لقد مكنا ليوسف في الأرض"وثانيتهما بعد ذكر خروجه من سجن العزيز وانتصابه على خزائن أرض مصر حيث قال تعالى:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء": الآية 56 من السورة والعناية في الموضعين واحدة.

وقوله:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض"الإشارة إلى ما ذكره من إخراجه من الجب وبيعه واستقراره في بيت العزيز فإن كان المراد من تمكينه في الأرض هذا المقدار من التمكين الذي حصل له من دخوله في بيت العزيز واستقراره فيه على أهنإ عيش بتوصية العزيز فالتشبيه من قبيل تشبيه الشيء بنفسه ليدل به على غزاره الأوصاف المذكورة له وليس من القسم المذموم من تشبيه الشيء بنفسه كقوله: كأننا والماء من حولنا.

قوم جلوس حولهم ماء.

بل المراد أن ما فعلنا به من التمكين في الأرض كان يماثل هذا الذي وصفناه وأخبرنا عنه فهو يتضمن من الأوصاف الغزيرة ما يتضمنه ما حدثناه فهو تلطف في البيان بجعل الشيء مثل نفسه بالتشبيه دعوى ليلفت به ذهن السامع إلى غزاره أوصافه وأهميتها وتعلق النفس بها كما هو شأن التشبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت