فهرس الكتاب

الصفحة 2263 من 4314

و بالنظر إلى قوله (عليه السلام) لصاحبيه في السجن:"إن الحكم إلا لله": الآية 40 من السورة ، وقوله بعد:"قضي الأمر الذي فيه تستفتيان": الآية 41 من السورة يعلم أن هذا الحكم الذي أوتيه كان هو حكم الله فكان حكمه حكم الله ، وهذا هو الذي سأله إبراهيم (عليه السلام) من ربه إذ قال:"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين": الشعراء: 83.

وقوله:"و علما"وهذا العلم المذكور المنسوب إلى إيتائه تعالى كيفما كان وأي مقدار كان علم لا يخالطه جهل كما أن الحكم المذكور معه حكم لا يخالطه هوى نفساني ولا تسويل شيطاني كيف؟ والذي آتاهما هو الله سبحانه وقد قال تعالى:"و الله غالب على أمره": الآية 21 من السورة ، وقال:"إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3 فما آتاه من الحكم لا يخالطه تزلزل الريب والشك ، وما يؤتيه من العلم لا يكون جهلا البتة.

ثم من المعلوم أن هذه المواهب الإلهية ليست بأعمال جزافية ولا لغوا أو عبثا منه تعالى فالنفوس التي تؤتى هذا الحكم والعلم لا تستوي هي والنفوس الخاطئة في حكمها المنغمرة في جهلها ، وقد قال تعالى:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58 وإلى ذلك الإشارة بقوله:"و كذلك نجزي المحسنين"حيث يدل على أن هذا الحكم والعلم اللذين آتاهما الله إياه لم يكونا موهبتين ابتدائيتين لا مستدعي لهما أصلا بل هما من قبيل الجزاء جزاه الله بهما لكونه من المحسنين.

وليس من البعيد أن يستفاد من قوله:"و كذلك نجزي المحسنين"إن الله تعالى يجزي كل محسن - على اختلاف صفات الإحسان - شيئا من الحكم والعلم يناسب موقعه في الإحسان وقد قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد: 28 وقال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122.

وهذا العلم المذكور في الآية يتضمن ما وعد الله سبحانه تعليمه ليوسف من تأويل الأحاديث فإنه واقع بين قوله تعالى في الآيات السابقة:"و لنعلمه من تأويل الأحاديث"وقوله حكاية عن يوسف في قوله لصاحبيه في السجن:"ذلكما مما علمني ربي"فافهم ذلك.

قوله تعالى:"و راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"قال في المفردات ،: الرود هو التردد في طلب الشيء برفق ومنه الرائد لطالب الكلاء ، قال: والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء ، قال: والمراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود ، وراودت فلانا عن كذا ، قال تعالى:"هي راودتني عن نفسي"وقال:"تراود فتاها عن نفسه"أي تصرفه عن رأيه ، وعلى ذلك قوله:"و لقد راودته عن نفسه""سنراود عنه أباه"انتهى.

وفي المجمع ،: المراودة المطالبة بأمر بالرفق واللين ليعمل به ومنه المرود لأنه يعمل به ، ولا يقال في المطالبة بدين: راوده ، وأصله من راد يرود إذا طلب المرعى ، وفي المثل: الرائد لا يكذب أهله ، والتغليق إطباق الباب بما يعسر فتحه ، وإنما شدد ذلك لتكثير الإغلاق أو للمبالغة في الإيثاق ، انتهى.

وهيت لك اسم فعل بمعنى هلم ، ومعاذ الله أي أعوذ بالله معاذا فهو مفعول مطلق قائم مقام فعله.

والآية الكريمة"و راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"على ما فيها من الإيجاز تنبىء عن إجمال قصة المراودة غير أن التدبر في القيود المأخوذة فيها والسياق الذي هي واقعة فيه وسائر ما يلوح من أطراف قصته الموردة في السورة يجلي عن حقيقة الحال ويكشف القناع عن تفصيل ما خبىء من الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت