يوسف: هو ذا طفل صغير حولته أيدي المقادير إلى بيت العزيز عليه سيما العبيد ولعله لم يسأل إلا عن اسمه ، ولم يتكلم إلا أن قال: اسمي يوسف أو قيل عنه ذلك ولم يلح من لهجته إلا أنه كان قد نشأ بين العبريين ، ولم يسأل عن بيته ونسبه فليس للعبيد بيوت ولم يكن من المعهود أن يحفظ للأرقاء أنساب وهو ساكت مختوم على لسانه لا يتكلم بشيء وكم من حديث بين جوانحه فلم يعرف نسبه إلا بعد سنين من ذلك حينما قال لصاحبيه في السجن"و اتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب"ولا كشف عما في سره من توحيد العبودية لله بين أولئك الوثنيين إلا ما ذكره لامرأة العزيز حين راودته عن نفسه بقوله:"معاذ الله إنه ربي"إلخ.
هو اليوم حليف الصمت والسكوت لكن قلبه مليء بما يشاهده من لطيف صنع الله به فهو على ذكر مما بثه إليه أبوه يعقوب النبي من حقيقة التوحيد ومعنى العبودية ثم ما بشر به من الرؤيا أن الله سيخلصه لنفسه ويلحقه بآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وليس ينسى ما فعله به إخوته ثم ما وعده به ربه في غيابة الجب حين ما انقطع عن كافة الأسباب: أنه تحت الولاية الإلهية والتربية الربوبية معني بأمره وسينبأ إخوته بأمرهم هذا وهم لا يشعرون.
فكان (عليه السلام) مملوء الحس مستغرق النفس في مشاهدة ألطاف ربه الخفية يرى نفسه تحت ولاية الله محبورا بصنائعه الجميلة لا يرد إلا على خير ولا يواجه إلا جميلا.
وهذا هو الذي هون عليه ما نزل به من النوائب ، وتواتر عليه من المحن والبلايا فصبر عليها على ما بها من المرارة فلم يشك ولم يجزع ولم يضل الطريق وقد ذكر ذلك لإخوته حين عرفهم نفسه بقوله:"إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين": الآية 90 من السورة.
فلم يزل يوسف (عليه السلام) تنجذب نفسه إلى جميل صنائع ربه ويمعن قلبه في لطيف الإشارات إليه ، ويزداد كل يوم حبا بما يجده من شواهد الولاية ويشاهد أن ربه هو القائم على كل نفس بما كسبت وهو على كل شيء شهيد حتى تمكنت المحبة الإلهية منه واستقر الوله والهيمان في سره فكان همه في ربه لا يشغله عنه شاغل ولا يصرفه عنه صارف ولا طرفة عين ، وهذا بمكان من الوضوح لمن تدبر فيما تحكي عنه السورة من المحاورات كقوله:"معاذ الله إنه ربي"وقوله:"ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء"وقوله:"إن الحكم إلا لله"وقوله:"أنت وليي في الدنيا والآخرة"وغير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فهذا ما عند يوسف (عليه السلام) فقد كان شبحا ما وراءه إلا محبة إلهية أنسته نفسه وشغلته عن كل شيء ، وصورة معناها أنها خالصة أخلصها الله لنفسه فلم يشاركه فيه أحد.
ولم يظهر للعزيز منه أول يوم إذ حل في بيته إلا أنه غلام صغير عبري مملوك له غير أن قوله لامرأته:"أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا"يكشف أنه شاهد منه وقارا وتمكينا وتفرس فيه عظمة وكبرياء نفسانية أطمعته في أن ينتفع به أو يلحقه بنفسه بالتبني على ما في يوسف من عجيب الجمال والحسن.
امرأة العزيز: امرأة العزيز وهي عزيزة مصر"وصاها العزيز يوسف أن تكرم مثواه وأعلمها أن له فيه إربة وأمنية فلم تزل تجتهد في إكرام يوسف وتحسن مثواه وتهتم بأمره لا كما يهتم في أمر رقيق مملوك بل كما يعنى بأمر جوهر كريم أو قطعة كبد وتحبه لبديع جماله وغزير كماله وتزداد كلما مضت الأيام حبا إلى حب حتى إذا بلغ الحلم واستوى على مستوى الرجال لم تملك نفسها دون أن تعشقه وتذل على ما لها من مناعة الملك والعزة وعصمة العفة والخدارة تجاه هواه القاطن بسرها الآخذ بمجامع قلبها."
وقد كان يوسف يلازمها في العشرة ولا يفارق بينها من جانب وكانت عزيزة لا يثني أمرها ولا ترد عزيمتها وكانت فيما تزعم سيدة يوسف وهو عبدها المملوك لا يسعه إلا أن يطيعها وينقاد لها ، ولبيوت الملوك والأعزة أن تحتال لشتى مقاصدها ومآربها بأنواع الحيل والمكايد فإن عامة الأسباب وإن عزت وامتنعت ميسرة لها ، وكانت العزيزة ذات جمال وزينة فإن حريم الملوك لا تدخلها كل شوهاء دميمة ولا تحل بها إلا غوان ذوات حسن فتانات.