فهرس الكتاب

الصفحة 2265 من 4314

و العادة تحكم أن هذه الأسباب - وقد اجتمعت على عزيزة مصر - أسعرت في سرها كل لهيب ، وأججت كل نار حتى استغرقت في حب يوسف وتولهت في غرامه واشتغلت به عن كل شيء ، وقد أحاط بقلبها من كل جانب ، هو أول منطقها إذا تكلمت وفي ضميرها إذا سكتت فلا هم لها إلا يوسف ولا بغية لها إلا فيه"قد شغفها حبا"وليوسف الجمال الذي يأخذ بمجامع القلوب فكيف إذا امتلأت به عين محب واله وأدام النظر إليه مهيم ذو غرام.

يوسف وامرأة العزيز: لم تزل عزيزة مصر تعد نفسها وتمنيها بوصال يوسف والظفر بما تبتغيه منه وتلاطفه في عشرته وتشفع ذلك بما لربات الحسن والزينة من الغنج والدلال لتصطاده بما عندها كما اصطاده بما عنده ، ولعل الذي كانت تشاهده من صبر يوسف وسكوته كان يغرها فيما ترومه ويغريها عليه.

حتى إذا تاقت نفسها له وبلغت بها وأعيتها المذاهب خلت به في بيتها وقد غلقت الأبواب فلم يبق فيه إلا هي ويوسف.

وهي لا تشك أن سيطيعها يوسف في أمرها ولا يمتنع عليها لما كانت ولا تزال تراه بالسمع والطاعة ، وتشاهد أن الأوضاع والأحوال الحاضرة تقضي بفوزها ونيلها ما تريده منه.

فتى واله في حبه وفتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية أما هي فمشغوفة بحب يوسف تريد أن تصرفه عن نفسه إلى نفسها وتتوسل إلى ذلك بتغليق الأبواب ومراودته عن نفسه والاعتماد على ما لها من العزة والملك حيث تدعوه إلى نفسها بلفظ الأمر"هيت لك"لتقهره على ما تريده منه.

وأما هو فقد استغرق في حب ربه وأخلص وصفى ذلك نفسه فلم يترك لشيء في قلبه محلا غير حبيبه فهو في خلوة مع ربه وحضرة منه يشاهد فيه جماله وجلاله وقد طارت الأسباب الكونية على ما لها من ظاهر التأثير من نظره فهو على خلافها لا يتبجح بالأسباب ولا يركن إلى الأعضاد.

ترى أنها تتوسل عليه بالأسباب بتغليق الأبواب والمراودة والأمر بقولها:"هيت لك"وأما هو فقد قابلها بقوله:"معاذ الله"فلم يجبها بتهديد ولم يقل: إني أخاف العزيز أو لا أخونه أو إني من بيت النبوة والطهارة أو إن عفتي أو عصمتي تمنعني من الفحشاء ، ولم يقل إني أرجو ثواب الله أو أخاف عذابه إلى غير ذلك ، ولو كان قلبه متعلقا بشيء من الأسباب الظاهرة لذكره وبدأ به عند مفاجأة الشدة ونزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان.

بل استمسك بعروة التوحيد وأجاب بالعياذ بالله فحسب ولم يكن في قلبه أحد سوى ربه ولا تعدى بصره إياه إلى غيره فهذا هو التوحيد الخالص الذي هدته إليه المحبة الإلهية وأولهه في ربه فأنساه الأسباب كلها حتى أنساه نفسه فلم يقل إني أعوذ منك بالله أو ما يؤدي معناه ، وإنما قال"معاذ الله"وكم من الفرق بين قوله هذا وبين قول مريم للروح لما تمثل لها بشرا سويا:"إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا": مريم: 18.

وأما قوله لها ثانيا:"إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"فإنه يوضح كلمة التوحيد الذي أفاده بقوله:"معاذ الله"ويجليه ، يقول: إن الذي أشاهده أن إكرامك مثواي عن قول العزيز لك"أكرمي مثواه"فعل من ربي وإحسان منه إلي فربي أحسن مثواي وإن انتسب إليك ذلك بوجه فهو الذي يجب علي أن أعوذ به وألوذ إليه ، وإنما أعوذ به لأن إجابتك فيما تسألين وارتكاب هذه المعصية ظلم ولا يفلح الظالمون فلا سبيل إلى ارتكابه.

فقد أفاد (عليه السلام) بقوله:"إنه ربي أحسن مثواي"أولا: أنه موحد لا يرى شرك الوثنية فليس ممن يتخذ أربابا من دون الله كما تقول به الوثنية يتخذون مع الله أربابا أخرى ينسبون إليهم تدبير العالم بل هو يقول بأن الله هو ربه لا رب سواه.

وثانيا: أنه ليس ممن يوحد الله سبحانه قولا ويشرك به فعلا بإعطاء الاستقلال لهذه الأسباب الظاهرة تؤثر ما تؤثر بإذن الله بل هو يرى ما ينسب من جميل الآثار إلى الأسباب فعلا جميلا لله سبحانه في عين هذا الانتساب فيما تراه امرأة العزيز أنها هي التي أكرمت مثواه عن وصية العزيز وأنها وبعلها ربان له يتوليان أمره يرى هو أن الله سبحانه هو الذي أحسن مثواه وأنه ربه الذي يتولى تدبير أمره فعليه أن يعوذ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت