فهرس الكتاب

الصفحة 2266 من 4314

و ثالثا: أنه إنما تعوذ بالله مما تدعوه إليه لأنه ظلم لا يفلح المتلبس به ولا يهتدي إلى سعادته ولا يتمكن في حضرة الأمن عند ربه كما قال تعالى حكاية عن جده إبراهيم (عليه السلام) :"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82.

ورابعا: أنه مربوب - أي مملوك مدبر - لله سبحانه ليس له من الأمر شيء ، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله له أو أحب أن يأتي به ولذلك لم يرد ما سألته منه بصريح اللفظ بل بالكناية عنه بقوله:"معاذ الله"إلخ فلم يقل: لا أفعل ما تأمريننى به ولم يقل: لا أرتكب كذا ، ولم يقل: أعوذ بالله منك ، وما يشابه ذلك حذرا من دعوى الحول والقوة ، وإشفاقا من وسمة الشرك والجهالة اللهم إلا ما في قوله:"إنه ربي أحسن مثواي"حيث أشار فيه إلى نفسه مرتين وليس فيه إلا تثبيت المربوبية وتأكيد الذلة والحاجة ، ولهذه العلة بعينها بدل الإكرام إحسانا فأتى حذاء قول العزيز:"أكرمي مثواه"بقوله:"أحسن مثواي"لما في الإكرام من الإشعار باحترام الشخصية وتعظيمها.

وبالجملة الواقعة وإن كانت مراجعة ومغالبة بين امرأة العزيز ويوسف (عليه السلام) بحسب ظاهر الحال فهي كانت تنازعا بين حب وهيمان إلهي وعشق وغرام حيواني يتشاجران في يوسف كل منهما يجذبه إلى نفسه ، وكانت كلمة الله هي العليا فأخذته الجذبة السماوية الإلهية ودافعت عنه المحبة الإلهية والله غالب على أمره.

فقوله تعالى:"و راودته التي هو في بيتها عن نفسه"يدل على أصل المراودة ، والإتيان بالوصف أعني كونه في بيتها للدلالة على أن الأوضاع والأحوال كانت لها عليه وأن الأمر كان عليه شديدا ، وكذا قوله:"و غلقت الأبواب"حيث عبر بالتغليق وهو يدل على المبالغة وعلق الغلق بالأبواب وهو جمع محلى باللام وكذا قوله:"و قالت هيت لك"حيث عبر بالأمر المولوي الدال على إعمال المولوية والسيادة مع إشعاره بأنها هيأت له من نفسها ما ليس بينه وبين طلبتها إلا مجرد إقبال من يوسف ولا بين يوسف - على ما هيأت من العلل والشرائط ونظمتها بزعمها وبين الإقبال عليها شيء حائل غير أن الله كان أقرب إلى يوسف من نفسه ومن العزيزة امرأة العزيز ، ولله سبحانه العزة جميعا.

وقوله:"قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي"إلى آخر الآية جواب ليوسف يقابل به مسألتها بالعياذ بالله يقول:"أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه لأنه ربي الذي تولى أمري وأحسن مثواي وجعلني بذلك سعيدا مفلحا ولو اقترفت هذا الظلم لتغربت به عن الفلاح وخرجت به من تحت ولايته."

وقد راعى (عليه السلام) في كلامه هذا أدب العبودية كله كما تقدم وقد أتى أولا بلفظة"الجلالة"ثم بصفة الربوبية ليدل به على أنه لا يعبد ربا غير الله ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

واحتمل عدة من المفسرين أن يكون الضمير في قوله:"إنه ربي أحسن مثواي"للشأن ، والمراد أن ربي ومولاي وهو العزيز - بناء على ظاهر الأمر فقد اشترى يوسف من السيارة - أحسن مثواي حيث أمركم بإكرام مثواي ، ولو أجبتك على ما تسألين لكان ذلك خيانة له وما كنت لأخونه.

ونظير الوجه قول بعضهم: إن الضمير عائد إلى العزيز وهو اسم إن وخبرها قوله: ربي ، وقوله: أحسن مثواي ، خبر بعد خبر.

وفيه أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: إنه لا يفلح الخائنون كما قال للرسول وهو في السجن:"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين": الآية - 52 من السورة ولم: يقل إني لم أظلمه بالغيب.

على أنه (عليه السلام) لم يكن ليعد العزيز ربا لنفسه ، وهو حر غير مملوك له وإن كان الناس يزعمون ذلك بناء على الظاهر ، وقد قال لأحد صاحبيه في السجن:"اذكرني عند ربك": الآية 42 من السورة ، وقال لرسول الملك:"ارجع إلى ربك": الآية 51 من السورة ولم يعبر عن الملك بلفظ ربي على عادتهم في ذكر الملوك ، وقال أيضا لرسول الملك:"اسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم"حيث يأخذ الله سبحانه ربا لنفسه قبال ما يأخذ الملك ربا للرسول.

ويؤيد ما ذكرنا أيضا قوله في الآية التالية:"لو لا أن رءا برهان ربه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت