فهرس الكتاب

الصفحة 2268 من 4314

و لازم ذلك أن يكون الجزاء المقدر لقوله:"لو لا أن رءا برهان ربه"هو ارتكاب السوء والفحشاء ، ولازم ذلك أن يكون"لو لا أن رءا"إلخ قيدا لقوله:"و هم بها"وذلك يقتضي أن يكون المراد بهمه بها نظير همها به هو القصد إلى المعصية ويكون حينئذ همه بها داخلا تحت الشرط ، والمعنى أنه لو لا أن رءا برهان ربه لهم بها وأوشك أن يرتكب فإن"لو لا"وإن كانت ملحقة بأدوات الشرط وقد منع النحاة تقدم جزائها عليها قياسا على إن الشرطية إلا أن قوله:"و هم بها"ليس جزاء لها بل هو مقسم به بالعطف على قوله:"و لقد همت به"وهو في معنى الجزاء استغنى به عن ذكر الجزاء فهو كقولنا: والله لأضربنه إن يضربني والمعنى: والله إن يضربني أضربه.

ومعنى الآية: والله لقد همت به والله لو لا أن رءا برهان ربه لهم بها وأوشك أن يقع في المعصية ، وإنما قلنا: أوشك أن يقع ، ولم نقل: وقع لأن الهم - كما قيل - لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى:"و هموا بما لم ينالوا": التوبة: 74 ، وقوله:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا": آل عمران: 122 ، وقول صخر: أهم بأمر الحزم لا أستطيعه.

وقد حيل بين العير والنزوان.

فلو لا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم والاقتراب دون الارتكاب والاقتراف ، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله:"لنصرف عنه السوء والفحشاء"ولم يقل: لنصرفه من السوء والفحشاء فتدبر فيه.

ومن هنا يظهر أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهي الزنا فهو (عليه السلام) لم يفعل ولم يكد ، ولو لا ما أراه الله من البرهان لهم وكاد أن يفعل ، وهذا المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه.

فقوله تعالى:"و لقد همت به"اللام فيه للقسم ، والمعنى وأقسم لقد قصدت يوسف بما تريده منه ولا يكون الهم إلا بأن تشفع الإرادة بشيء من العمل.

وقوله:"و هم بها لو لا أن رءا برهان ربه"معطوف على مدخول لام القسم من الجملة السابقة ، والمعنى أقسم لو لا رؤيته برهان ربه لهم بها وكاد أن يجيبها لما تريده منه.

والبرهان هو السلطان ويراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة قال تعالى:"فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه": القصص: 32 ، وقال:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم": النساء: 174 ، وقال:"أ إله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين": النمل: 64 وهو الحجة اليقينية التي تجلي الحق ولا تدع ريبا لمرتاب.

والذي رآه يوسف (عليه السلام) من برهان ربه وإن لم يوضحه كلامه تعالى كل الإيضاح لكنه - على أي حال - كان سببا من أسباب اليقين لا يجامع الجهل والضلال بتاتا ، ويدل على أنه كان من قبيل العلم قول يوسف (عليه السلام) فيما يناجي ربه كما سيأتي:"و إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين": الآية 33 من السورة ، ويدل على أنه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها إن هذا النوع من العلم قد يجامع الضلال والمعصية وهو ظاهر قال تعالى:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم": الجاثية: 23 وقال:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم": النمل: 14.

فالبرهان الذي أراه به وهو الذي يريه الله عباده المخلصين نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا ، وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء الله تعالى.

وقوله:"كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء"اللام في"لنصرف"للغاية أو التعليل والمآل واحد و"كذلك"متعلق بقوله"لنصرف"والإشارة إلى ما ذكر من رؤية برهان ربه ، والسوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد وهو مطلق المعصية أو الهم بها ، والفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنا ، وقد تقدم أن ظاهر السياق انطباق السوء والفحشاء على الزنا والهم به.

والمعنى: الغاية - أو السبب - في أن رءا برهان ربه هي أن نصرف عنه الفحشاء والهم بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت