فهرس الكتاب

الصفحة 2269 من 4314

و من لطيف الإشارة في الآية ما في قوله:"لنصرف عنه السوء والفحشاء"حيث أخذ السوء والفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفا عنهما ، لما في الثاني من الدلالة على أنه كان فيه ما يقتضي اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك ، وهو ينافي شهادته تعالى بأنه من عباده المخلصين وهم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا يشاركه فيهم شيء فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع يدعو من دون الله سبحانه.

وقوله:"إنه من عبادنا المخلصين"في مقام التعليل لقوله:"كذلك لنصرف""إلخ"والمعنى: عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين ، وهم يعاملون هذه المعاملة.

ويظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم ، وإن الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصية ولا يهمون بها بما يريهم الله من برهانه ، وهذه هي العصمة الإلهية.

ويظهر أيضا أن هذا البرهان سبب علمي يقيني لكن لا من العلوم المتعارفة المعهودة لنا.

وللمفسرين من العامة والخاصة في تفسير الآية أقوال مختلفة:

1 منها: ما ذكره بعضهم ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة والحسن وغيرهم: أن المعنى أنها همت بالفاحشة وأنه هم بمثله لو لا أن رءا برهان ربه لفعل.

وقد وصفوا همه (عليه السلام) بما يجل عنه مقام النبوة ويتنزه عنه ساحة الصديق فذكروا أنه قصدها بالفاحشة ودنا منها حتى حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن فأدركه برهان من ربه أبطل الشهوة ونجاة من الهلكة ، وذكروا في وصف هذا البرهان أمورا كثيرة مختلفة.

قال الغزالي في تفسيره لهذه السورة: اختلفوا فيه - يعني في البرهان - ما هو؟ قال بعضهم: إن طائرا وقع على كتفه فقال في أذنه: لا تفعله فإن فعلت سقطت من درجة الأنبياء.

وقيل: إنه رأى يعقوب عاضا على إصبعه ، وهو يقول: يا يوسف أ ما تراني: وقال الحسن البصري: رآها وهي تغطي شيئا فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أغطي وجه صنمي لئلا يراني فقال يوسف: أنت تستحيين الجماد الذي لا يعقل ولا يرى فأنا أولى أن أستحيي ممن يراني ويعلم سري وعلانيتي.

قال أرباب اللسان: إنه نودي في سره يا يوسف اسمك مكتوب في ديوان الأنبياء ، وتريد أن تفعل فعل السفهاء.

وقيل: رأى كفا قد خرج من الحائط مكتوب عليها: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا.

وقيل: انفرج سقف البيت فرأى صورة حسنة تقول: يا رسول العصمة لا تفعل فإنك معصوم.

وقيل: نكس رأسه فرأى على الأرض مكتوبا: ومن يعمل سوءا يجز به.

وقيل: أتاه ملك ومسح جناحيه على ظهره فخرجت شهوته من أصابع رجليه.

وقيل: رأى الملك في البيت وهو يقول: أ لست هاهنا؟ وقيل: وقع بينهما حجاب فلا يرى أحد صاحبه.

وقيل: رأى جارية من جواري الجنة فتحير من حسنها فقال لها: لمن أنت؟ قالت: لمن لا يزني.

وقيل: جاز عليه طائر فناداه: يا يوسف لا تعجل فإنها لك حلال ولك خلقت.

وقيل: رأى ذلك الجب الذي كان بحذائه وعليه ملك قائم يقول يا يوسف أ نسيت هذا الجب.

وقيل: رأى زليخا على صورة قبيحة فهرب منها.

وقيل رأى شخصا فقال: يا يوسف انظر إلى يمينك فنظر فرأى ثعبانا أعظم ما يكون فقال: الزاني في بطني غدا فهرب منه.

انتهى.

ومما قيل فيه أنه تمثل له يعقوب فضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من أطراف أنامله رواه في الدر المنثور ، عن مجاهد وعكرمة وابن جبير إلى غير ذلك من الوجوه المختلفة التي أوردها في التفسير بالمأثور.

والجواب عنه مضافا إلى أنه (عليه السلام) كان نبيا ذا عصمة إلهية تحفظه من المعصية ، وقد تقدم إثبات ذلك ، أن الذي أورده الله تعالى من كرائم صفاته وإخلاص عبوديته لا يبقى شكا في أنه أطهر ساحة وأرفع منزلة من أن ينسب إليه أمثال هذه الألواث فقد ذكر تعالى أنه من عباده الذين أخلصهم لنفسه واجتباهم لعبوديته وآتاهم حكما وعلما ، وعلمه من تأويل الأحاديث ، وأنه كان عبدا متقيا صبورا في الله غير خائن ولا ظالم ولا جاهل ، وكان من المحسنين وقد ألحقه بآبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

وكيف يستقيم هذه المقامات العالية والدرجات الرفيعة إلا لإنسان طاهر في وجدانه منزه في أركانه صالح في أعماله مستقيم في أحواله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت