فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 4314

و أما من ذهب لوجهه في معصية الله وهم بما هو من أفحش الإثم في دين الله وهو زنا ذات البعل وخيانة من أحسن إليه أبلغ الإحسان في عرضه وأصر عليه حتى حل التكة وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فأتته لصرفه آية بعد آية فلم ينصرف ، وازدجر بنداء بعد نداء من كل جانب فلم يستحي ولم يكف حتى ضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من رءوس أصابعه ، وشاهد ثعبانا أعظم ما يكون من عن يمينه فذعر منه وهرب من هول ما رأى ، فمثله أحرى به أن لا يسمى إنسانا فضلا أن يتكىء على أريكة النبوة والرسالة ، ويأتمنه الله على وحيه ، ويسلم إليه مفاتيح دينه ، ويؤتيه حكمه وعلمه ويلحقه بمثل إبراهيم الخليل.

لكن هؤلاء المتعلقين بهذه الأقاويل المختلفة والإسرائيليات والآثار الموضوعة إذ يتهمون جده إبراهيم (عليه السلام) في زوجته سارة لا يبالون أن يتهموا نجله (عليه السلام) في زوجة غيره.

قال في الكشاف ،: وقد فسر هم يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع ، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها وفسر البرهان بأنه سمع صوتا إياك وإياها فلم يكترث له فسمعه ثانيا فلم يعمل به فسمع ثالثا: أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضا على أنملته ، وقيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل ما نقص من شهوته حين هم ، وقيل.

صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له ، وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها:"و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين"فلم ينصرف ثم رأى فيها:"و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا"فلم ينته ثم رأى فيها:"و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله"فلم ينجع فيه فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف أ تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟.

وقيل: رأى تمثال العزيز ، وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحيي منه أن يرانا فقال يوسف: استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ولا أستحيي من السميع البصير العليم بذات الصدور؟.

وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه ، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل.

ولو وجدت من يوسف (عليه السلام) أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم زلته ، وعلى داود وعلى نوح وعلى أيوب وعلى ذي النون وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصا؟.

فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة والعزم ناظرا في دليل التحريم ووجه القبح حتى استحق من الله الثناء فيما أنزل من كتب الأولين ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصدق لها ، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته ، وضرب سورة كاملة عليها ليجعل له لسان صدق في الآخرين كما جعله لجده الخليل إبراهيم (عليه السلام) .

وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقع العثار.

فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها ، وفي أن ينهاه ربه ثلاث مرات ، ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن وبالتوبيخ العظيم وبالوعيد الشديد وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا يتنبه حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره ، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة أجلحهم وجها لقي بأدنى ما لقي به مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرك فيا له من مذهب ما أفحشه ومن ضلال ما أبينه.

انتهى.

وما أحسن ما قال بعض أهل التفسير في ذم أصحاب هذا القول إنهم يتهمونه (عليه السلام) في هذه الواقعة وقد شهد ببراءته وطهارته كل من لها تعلق ما بها فالله سبحانه يشهد بذلك إذ يقول:"إنه من عبادنا المخلصين"والشاهد الذي شهد له من أهلها إذ قال:"إن كان قميصه قد من قبل"إلى آخر الآيتين ، والعزيز إذ قال لامرأته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت