على أن لازمه أن يكون المراد بالبرهان الذي رآه ما يدل على أنه إن ضربها استتبع ذلك هلاكه أو مصيبة أخرى تصيبه ويكون المراد بالسوء والفحشاء القتل والتهمة - كما أشار إليه في المجمع ، - وهذا خلاف ما يستفاد من السياق قطعا.
وأما ما ذكره في المجمع ، من عدم جواز إرادة العزم على المخالطة من الهمين معا ، ومحصله أن الهم إنما يتعلق بمن لا ينقاد للعازم الهام فيما يريده ، وإذا فرض تحقق الهم من أحد الطرفين لم يصح تحققه مع ذلك من الطرف الآخر إذ لا معنى لتعلق الإرادة بالمريد والطلب من الطالب وبعث من هو مبعوث بالفعل.
ففيه أنه لا مانع من تحقق الهم من الطرفين إذا فرض تحققهما دفعة واحدة من دون سبق ولحوق أو قارن ذلك عناية زائدة كإنسانين يريدان الاقتراب والاجتماع فربما يثبت أحدهما ويتحرك إليه الآخر ، وربما يتحركان ويقتربان ويتدليان معا وجسمين يريدان الانجذاب والاتصال فربما يجذب أحدهما وينجذب إليه الآخر وربما يتجاذبان ويتدانيان.
4 -ومن الأقوال في الآية: أن المراد بالهم في الموردين معا الهم بالضرب والدفاع فهي لما راودته وردها بالامتناع والاستنكاف ثارت منها داعية الغضب والانتقام وهاج في باطنها الوجد الممزوج بالسخط والأسف فهمت به لتضربه على تمرده من امتثال ما أمرته به ، وهو
لما شاهد ذلك استعد للدفاع عن نفسه وضربها إن مستها بسوء غير أن ضربه إياها ومقاومته لدفعها لما كان ربما يتهمه في أنه راودها عن نفسه ودعاها إلى الفحشاء أراه الله سبحانه بفضله برهانا فهم منه ذلك وألهم أن يختار للدفاع عن نفسه سبيل الفرار فقصد باب البيت ليفتحه ويخرج من عندها فعقبته فاستبقا الباب.
ولا مساغ لحمل الهم على الهم بالمخالطة أما في قوله:"و لقد همت به"فلان الهم لا يكون إلا بفعل للهام ، والوقاع ليس من أفعال المرأة فتهم به ، وإنما نصيبها منه قبولها لمن يطلبه منها بتمكينه منه.
هذا أولا.
على أن يوسف لم يطلب من امرأة العزيز هذا الفعل فيسمى قبولها لطلبه ورضاها بتمكينه منه هما لها فإن نصوص الآيات قبل هذه الآية وبعدها تبرئة من ذلك بل من وسائله ومقدماته أيضا.
وهذا ثانيا.
على أن ذلك لو وقع لكان الواجب في التعبير عنه أن يقال: ولقد هم بها وهمت به لأن الأول هو المقدم في الطبع والوضع وهو الهم الحقيقي ، والهم الثاني متوقف عليه لا يتحقق بدونه.
وهذا ثالثا.
على أنه قد علم من القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبا جازما مصرة عليه ليس عندها أدنى تردد فيه ولا مانع منه يعارض المقتضي له ، فإذن لا يصح أن يقال: إنها همت به مطلقا حتى لو فرض جدلا أنه كان قبولا لطلبه ومواتاة له إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه ، وأما الهم بمعنى قصدها له بالضرب تأديبا فيصح ذلك فيه بأهون تقدير.
وهذا رابعا.
انتهى ملخصا مما أورده صاحب المنار في تفسيره ، .
والجواب: أنه يشارك القول السابق في معنى همه بها فيرد عليه ما أوردناه على سابقه ، وأما ما يختص به أن المراد بهمها به قصدها إياه بضرب ونحوه فمما لا دليل عليه أصلا ، وأما مجرد اتفاق ذلك في بعض نظائر القصة فليس يوجب حمل الكلام عليه من غير قرينة تدل على ذلك.
وأما ما ذكره في استبعاد أن يراد من قوله:"و لقد همت به"الهم على المخالطة أو عدم صحته فوجوه سخيفة جدا فإن من المعلوم أن هذه المخالطة تتألف عادة من حركات وسكنات شأن المرأة فيها الفعل دون الانفعال والعمل دون القبول فلو همت به بضم أو ما يناظره ليلتهب بذلك ما خمدت من نار غريزته الكامنة ، وتلجئه إلى إجابتها فيما تريده منه صح أن يقال: إنها همت به أي بمخالطته وليس من الواجب أن يفسر همها به بقصدها خصوص ما هي قابلة له حتى لا يصح به إطلاق الهم عليه.
وأما ما ذكره أخيرا أنها كانت جازمة غير مترددة فلا يصح أن يراد بهمها الهم على ما تريده من المخالطة ففيه أنها إنما كانت جازمة في إرادتها منه وعزيمتها عليه ، وأما في تحقق الفعل ووقوعه على ما قدرته فلا كيف؟ وقد شاهدت من يوسف الامتناع والإباء عن مراودتها ، وإنما همت به لما قابلها بالاستنكاف ولا جزم لها مع ذلك بإجابته لها ومطاوعته لما أرادته منه وهو ظاهر.