فهرس الكتاب

الصفحة 2274 من 4314

5 -ومن الأقوال في الآية: حمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون التقدير: ولقد همت به ولو لا أن رءا برهان ربه لهم بها ، ولما رءا برهان ربه لم يهم بها ، ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك ، وقد كنت قتلت لو لا أني خلصتك ، والمعنى: لو لا تداركي لهلكت - ولو لا تخليصي لقتلت وإن كان لم يقع هلاك وقتل ، ومثله قول الشاعر: فلا تدعني قومي ليوم كريهة.

لئن لم أعجل ضربة أو أعجل.

وفي القرآن الكريم:"إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها"نسبه في المجمع ، إلى أبي مسلم المفسر.

والجواب: أنه إن كان المراد به ما ربما يقوله المفسرون: إن في القرآن تقديما وتأخيرا فإنما ذلك فيما يكون هناك جمل متعددة بعضها متقدمة على بعضها بالطبع فأهمل النظم واكتفى بمجرد العد من غير ترتيب لعناية تعلقت به كما قيل في قوله تعالى:"و امرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب": هود: 71 إنه من التقديم والتأخير ، وإن التقدير: فبشرناها فضحكت وأما قوله:"و هم بها لو لا أن رءا برهان ربه"فالمعنى يختلف فيه بالتقديم والتأخير فهو إذا قدم كان هما مطلقا من غير تقييد لعدم جواز كونه جوابا للو لا مقدما عليها على ما ذكروه ، وإذا أخر كان هما مقيدا بالشرط.

وإن كان المراد أنه جواب للو لا مقدم عليها فالنحاة لا يجوزونه قياسا على إن الشرطية ويؤولون ما سمع من ذلك اللهم إلا أن يكون ذلك خلافا منه لهم لعدم الدليل على هذا القياس ، ولا موجب لتأويل ما ورد في الكلام مما ظاهره ذلك.

6 -ومن الأقوال في الآية: ما ذكروا أنها أول ما همت به في منامها وهم بها لأنه رآها في منامه فعند ذلك علم أنها له فلذلك هم بها.

أورده الغزالي في تفسيره ، قال: وهذا وجه حسن لأن الأنبياء كانوا معصومين لا يقصدون المعاصي.

انتهى.

والجواب أنه إن أريد به أن قوله:"و هم بها"حكاية ما رآه يوسف (عليه السلام) في المنام فهو تحكم لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة ، وإن أريد به أنه (عليه السلام) رآها في المنام وهم بها فيه ، واعتقد من هناك أنها له وخاصة بناء على أن رؤيا الأنبياء وحي ، ثم هم بها في اليقظة في مجلس المراودة بالمضي على اعتقاده فيها فأدركته رؤية برهان من ربه يبين له أنه قد أخطأ في زعمه ففيه إثبات خطإ الأنبياء في تلقي الوحي ، وليس ذلك بأقل محذورا من تجويز إقدامهم على المعاصي.

على أن الآية السابقة - وقد عد فيها المخالطة ظلما لا يفلح صاحبه واستعاذ بالله منه - تناقض ذلك فكيف يزعم أنها له وهو يعده ظلما ويستعيذ منه بالله سبحانه؟.

فهذه عمدة الأقوال في الآية وهي مع ما قدمناه أولا ترتقي إلى سبعة أو ثمانية ، وقد علمت أن معنى رؤية البرهان يختلف بحسب اختلاف الأقوال فمن قائل إنه سبب يقيني شاهده يوسف (عليه السلام) ، ومن قائل إنه الآيات والأمور التي ظهرت له فردعته عن اقتراف الخطيئة ، ومن قائل إنه العلم بحرمة الزنا وعذابه ، ومن قائل إنه ملكة العفة ، ومن قائل إنه العصمة والطهارة وقد عرفت ما هو الحق منها وسنعود إليه في كلام خاص به بعد تمام البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و استبقا الباب وقدت قميصه من دبر"الاستباق هو التسابق وقد تقدم ، والقد القط هو الشق إلا أن القد هو الشق طولا والقط هو الشق عرضا ، والدبر والقبل كالخلف والأمام.

والسياق يعطي أن استباقها كان لغرضين مختلفين فكان يوسف (عليه السلام) يريد أن يفتحه ويتخلص منها بالخروج من البيت ، وامرأة العزيز كانت تريد أن تسبقه إليه فتمنعه من الفتح والخروج لعلها تفوز بما تريده منه ، وإن يوسف سبقها إلى الباب فاجتذبته من قميصه من الوراء فقدته ولم ينقد إلا لأنه كان في حال الهرب مبتعدا منها وإلا لم ينشق طولا.

وقوله:"و ألفيا سيدها لدى الباب"الإلفاء الوجدان يقال: ألفيته كذا أي وجدت والمراد بسيدها زوجها.

قيل: إنه جري على عرف مصر وقد كانت النساء بمصر يلقبن زوجهن بالسيد ، وهو مستمر إلى هذا الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت