فهرس الكتاب

الصفحة 2275 من 4314

قوله تعالى:"قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم"لما ألفيا سيدها لدى الباب انقلب مجلس المراودة إلى موقف التحقيق ، وإنما أوجد هذا الموقف وجود العزيز لدى الباب وحضورهما والهيئة هذه الهيئة عنده ، ويتكفل ما جرى في هذا الموقف قوله:"و ألفيا سيدها لدى الباب"إلى تمام خمس آيات.

فبدأت امرأة العزيز تشكو يوسف إليه وتسأله أن يجازيه فذكرت أنه أراد بها سوءا وعليه أن يسجنه أو يعذبه عذابا أليما لكنها لم تصرح بذلك ولا بشيء من أطراف الواقعة بل كنت وأتت بحكم عام عقلائي يتضمن مجازاة من قصد ذوات البعل بالفحشاء فقالت:"ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم"فلم يصرح باسم يوسف وهو المريد ، ولا باسم نفسها وهي الأهل ، ولا باسم السوء وهو الزنا بذات البعل كل ذلك تأدبا في حضرة العزيز وتقديسا لساحته.

ولم يتعين الجزاء بل رددته بين السجن والعذاب الأليم لأن قلبها الواله إليه المليء بحبه ما كان يساعدها على التعيين فإن في الإبهام نوعا من الفرج إلا أن في تعبيرها بقولها:"بأهلك"نوعا من التحريض عليه وتهييجه على مؤاخذته ولم يكن ذلك إلا كيدا منها للعزيز بالتظاهر بالوجد والأسى لئلا يتفطن بواقع الأمر فيؤاخذها أما إذا صرفته عن نفسها المجرمة فإن صرفه عن مؤاخذة يوسف (عليه السلام) لم يكن صعبا عليها تلك الصعوبة.

قوله تعالى:"قال هي راودتني عن نفسي"لم يبدأ يوسف (عليه السلام) بالقول أدبا مع العزيز وصونا لها أن يرميها بالجرم لكن لما اتهمته بقصدها بالسوء لم ير بدا دون أن يصرح بالحق فقال:"هي راودتني عن نفسي"وفي الكلام دلالة على القصر وهي من قصر القلب أي لم أردها بالسوء بل هي التي أرادت ذلك فراودتني عن نفسي.

وفي كلامه هذا - وهو خال عن أقسام التأكيد كالقسم ونحوه - دلالة على سكون نفسه (عليه السلام) وطمأنينته وأنه لم يحتشم ولم يجزع ولم يتملق حين دعوى براءته مما رمته به إذ كان لم يأت بسوء ولا يخافها ولا ما اتهمته وقد استعاذ بربه حين قال:"معاذ الله".

قوله تعالى:"و شهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين"إلى آخر الآيتين.

لما كانت الشهادة في معنى القول كان قوله:"إن كان قميصه""إلخ"بمنزلة مقول القول بالنسبة إليه فلا حاجة إلى تقدير القول قبل قوله:"إن كان قميصه""إلخ"، وقد قيل: إن هذا القول لما أدى مؤدى الشهادة عبر عنه بلفظ الشهادة.

وقد أشار هذا الشاهد إلى دليل ينحل به العقدة ويتضح طريق القضية فتكلم فقال:"إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين"فإن من البين أن أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب ، وكون القد من قبل يدل على منازعتهما ومصارعتهما بالمواجهة فالقضاء لها عليه ، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فإن كون القد من دبر يدل على هربه منها وتعقيبها إياه واجتذابها له إلى نفسها فالقضاء له عليها.

وهو ظاهر.

وأما من هذا الشاهد؟ فقد اختلف فيه المفسرون فقال بعضهم: كان رجلا حكيما أشار للعزيز بما أشار كما عن الحسن وقتادة وعكرمة ، وقيل: كان رجلا وهو ابن عم المرأة وكان جالسا مع زوجها لدى الباب ، وقيل: لم يكن من الإنس ولا الجن بل خلقا من خلق الله كما عن مجاهد ، ورد بمنافاته الصريحة لقوله تعالى:"من أهلها".

ومن طرق أهل البيت (عليهم السلام) وبعض طرق أهل السنة أنه كان صبيا في المهد من أهلها ، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

والذي ينبغي أن ينظر فيه أن الذي أتى به هذا الشاهد بيان عقلي ودليل فكري يؤدي إلى نتيجة هي القاضية لأحد هذين المتداعيين على الآخر ، ومثل هذا لا يسمى شهادة عرفا فإنها هي البيان المتعمد على الحس أو ما في حكمه وبالجملة القول الذي لا يعتمد على التفكير والتعقل كما في قوله:"شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم": حم السجدة: 20 ، وقوله:"قالوا نشهد إنك لرسول الله": المنافقون: 1 فإن الحكم بصدق الرسالة وإن كان في نفسه مستندا إلى التفكر والتعقل لكن المراد بالشهادة تأدية ما عنده من الحق المعلوم قطعا من غير ملاحظة كونه عن تفكر وتعقل كما في موارد يعبر عنه فيها بالقول ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت