فهرس الكتاب

الصفحة 2278 من 4314

و كلامهن هذا بعد قولهن ذاك إعذار منهن فمفاده أن الذي كنا نقوله قبل إنما هو حق لو كان هذا بشرا وليس به وإنما يذم الإنسان ويعاب لو ابتلي بهوى بشر ومراودته وكان في وسعه أن يكتفي عنه بما يكافئه ويغني عنه ، وأما الجمال الذي لا يعادله جمال ، ويسلب كل حزم واختيار ، فلا لوم على هواه.

ولا ذم في غرامه.

ولهذا انقلب المجلس دفعة ، وانقطعت قيود الاحتشام فانبسطن وتظاهرن بالقول في حسن يوسف وكل تتكلم بما في ضميرها منه ، وقالت امرأة العزيز:"فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم"فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ثم هددت يوسف تجلدا وحفظا لمقامها عندهن وطمعا في مطاوعته وانقياده:"و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين".

وأما يوسف فلم يأخذه شيء من تلك الوجوه الحسان بألحاظها الفتانة ولا التفت إلى شيء من لطيف كلامهن ونعيم مراودتهن أو هائل تهديدها فقد كان وجهة نفسه جمال فوق كل جمال ، وجلال يذل عنده كل عزة وجلال فلم يكلمهن بشيء ولم يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول ، وإنما رجع إلى ربه فقال:"رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين".

وكلامه هذا إذا قيس إلى ما قاله لامرأة العزيز وحدها في مجلس المراودة:"معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"دل بسياقه على أن هذا المقام كان أشق وأمر على يوسف (عليه السلام) إذ كان بالأمس يقاوم هم امرأة العزيز ويعالج كيدها وحدها ، وقد توجهت إليه اليوم همهن ومكايدهن جميعا ، وكان ما بالأمس واقعة في خلوة على تستر منها ، وهي وهن اليوم متجاهرات في حبه متظاهرات في إغوائه ملجآت على مراودته ، وجميع الأسباب والمقتضيات اليوم قاضية لهن عليه أشد مما كانت عليه بالأمس.

ولذا تضرع إلى ربه سبحانه في دفع كيدهن هاهنا ، واكتفى بالاستعاذة إليه سبحانه هناك فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.

ولنرجع إلى البحث عن الآيات.

فقوله تعالى:"و قال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها"إلخ ، النسوة اسم جمع للمرأة وتقييد بقوله: في المدينة تفيد أنهن كن من جهة العدد أو الشأن بحال تؤثر قولهن في شيوع الفضيحة.

وامرأة العزيز هي التي كان يوسف في بيتها وقد راودته عن نفسه والعزيز معناه معروف ، وقد كان يلقب به السيد الذي اشترى يوسف من السيارة وكان يلقب به الرؤساء بمصر كما لقب به يوسف بعد ما جعل على خزائن الأرض.

وفي قوله:"تراود"دلالة على الاستمرار وهو أفحش المراودة ، والفتى الغلام الشاب والمرأة فتاة ، وقد شاع تسمية العبد فتى وكأنه بهذه العناية أضيف إلى ضميرها فقيل:"فتاها".

وفي المفردات ،:"شغفها حبا"أي أصاب شغاف قلبها أي باطنه.

عن الحسن ، وقيل: وسطه.

عن أبي علي ، وهما يتقاربان انتهى.

وشغاف القلب غلافه المحيط به.

والمعنى: وقال عدة من نساء المدينة لا يخلو قولهن من أثر فيها وفي حقها: امرأة تستمر في مراودة عبدها عن نفسه ولا يحري بها ذلك لأنها مرأة ومن القحة أن تراود المرأة الرجل بل ذاك - إن كان - من طبع الرجال وأنها امرأة العزيز فهي عزيزة مصر فمن الواجب الذي لا معدل عنه أن تراعي شرف بيتها وعزة زوجها ومكانة نفسها ، وإن الذي علقت به عبدها من الشنيع أن يتوله مثلها وهي عزيزة مصر بعبد عبراني من جملة عبيده ، وأنها أحبته وتعدت ذلك إلى مراودته فامتنع من إجابتها فلم تنته حتى ألحت واستمرت على مراودته وذلك أقبح وأشنع وأمعن في الضلال.

ولذلك عقبن قولهن:"امرأة العزيز تراود"إلخ بقولهن:"إنا لنراها في ضلال مبين".

قوله تعالى:"فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا"قال في المجمع ،: المكر هو الفتل بالحيلة على ما يراد من الطلبة.

انتهى.

وتسمية هذا القول منهن مكرا بامرأة العزيز لما فيه من فضاحتها وهتك سترها من ناحية رقيباتها حسدا وبغيا ، وإنما أرسلت إليهن لتريهن يوسف وتبتليهن بما ابتليت به نفسها فيكففن عن لومها ويعذرنها في حبه.

وعلى هذا إنما سمي قولهن مكرا ونسب السمع إليه لأنه صدر منهن حسدا وبغيا لغاية فضاحتها بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت