فهرس الكتاب

الصفحة 2279 من 4314

و قيل: إنما كان قولهن مكرا لأنهن جعلنه ذريعة إلى لقاء يوسف لما سمعن من حسنه البديع فإنما قلن هذا القول لتسمعه امرأة العزيز فترسل إليهن ليحضرن عندها فتريهن إياه ليعذرنها فيما عزلنها له فيتخذن ذلك سبيلا إلى أن يراودنه عن نفسه هذا ، والوجه الأول أقرب إلى سياق الآيات.

وقوله:"أرسلت إليهن"معناه معلوم وهو كناية عن الدعوة إلى الحضور عندها.

وقوله:"و اعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا"الإعتاد الإعداد والتهيئة أي أعدت وهيأت ، والمتكأ بضم الميم وتشديد التاء اسم المفعول من الاتكاء ، والمراد به ما يتكأ عليه من نمرق أو كرسي كما كان معمولا في بيوت العظماء.

وفسر المتكأ بالأترج وهو نوع من الفاكهة كما قرىء في الشواذ"متكأ"بالضم فالسكون وهو الأترج وقرىء"متكأ"بضم الميم وتشديد التاء من غير همز.

وقوله:"و آتت كل واحدة منهن سكينا"أي لقطع ما يرون أكله من الفاكهة كالأترج أو ما يشابهه من الفواكه المأكولة بالقطع وقوله:"و قالت اخرج عليهن"أي أمرت يوسف أن يخرج عليهن وهن خاليات الأذهان فارغات القلوب مشتغلات بأخذ الفاكهة وقطعها ، وفي اللفظ دلالة على أنه (عليه السلام) كان غائبا عنهن وكان في مخدع هناك أو بيت آخر في داخل بيت المأدبة الذي كن فيه فإنها قالت:"اخرج عليهن"ولو كان في خارج من البيت لقالت:"ادخل عليهن".

وفي السياق دلالة على أن هذا التدبير كان مكرا منها تجاه مكرهن ليفتضحن به فيعذرنها فيما عذلنها وقد أصابت في رأيها حيث نظمت برنامج الملاقاة فاعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وأخفت يوسف عن أعينهن ثم فاجأتهن بإظهاره دفعة لهن ليغبن عن عقولهن ، ويندهشن بذاك الجمال البديع ويأتين بما لا يأتي به ذو شعور البتة وهو تقطيع الأيدي مكان الفواكه لا من الواحدة والثنتين منهن بل من الجميع.

قوله تعالى:"فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم"الإكبار الإعظام وهو كناية عن اندهاشهن وغيبتهن عن شعورهن وإرادتهن بمفاجأة مشاهدة ذاك الحسن الرائع طبقا للناموس الكوني العام وهو خضوع الصغير للكبير وقهر العظيم للحقير فإذا ظهر العظيم الكبير بعظمته وكبريائه لشعور الإنسان قهر سائر ما في ذهنه من المقاصد والأفكار فأنساها وصار يتخبط في أعماله.

ولذلك لما رأينه قهرت رؤيته شعورهن فقطعن أيديهن تقطيعا مكان الفاكهة التي كن يردن قطعها ، وفي صيغة التفعيل دلالة على الكثرة يقال: قتل القوم تقتيلا وموتهم الجدب تمويتا.

وقوله:"و قلن حاش لله"تنزيه لله سبحانه في أمر يوسف وهذا كقوله تعالى:"ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم": النور: 16 وهو من أدب الكلام عند المليين إذا جرى القول في أمر فيه نوع تنزيه وتبرئة لأحد يبدأ فينزه الله سبحانه ثم يشتغل بتنزيه من أريد تنزيهه فهن لما أردن تنزيهه (عليه السلام) بقولهن"ما هذا بشرا"إلخ ، بدأن بتنزيهه تعالى ، ثم أخذن ينزهنه.

وقوله:"ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم"نفي أن يكون يوسف (عليه السلام) بشرا وإثبات أنه ملك كريم ، وهذا بناء على ما يعتقده المليون ومنهم الوثنيون أن الملائكة موجودات شريفة هم مبادىء كل خير وسعادة في العالم منهم يترشح كل حياة وعلم وحسن وبهاء وسرور وسائر ما يتمنى ويؤمل من الأمور ففيهم كل جمال صوري ومعنوي ، وإذا مثلوا تخيلوا في حسن لا يقدر بقدر ، ويتصوره أصحاب الأصنام في صور إنسانية حسنة بهية.

ولعل هذا هو السبب في قولهن:"إن هذا إلا ملك كريم"حيث لم يصفنه بما يدل على حسن الوجه وجمال المنظر مع أن الذي فعل بهن ما فعل هو حسن وجهه واعتدال صورته بل سمينه ملكا كريما لتكون فيه إشارة إلى حسن صورته وسيرته معا ، وجمال خلقه وخلقه وظاهره وباطنه جميعا.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت