فهرس الكتاب

الصفحة 2280 من 4314

و تقدم قولهن هذا على قول امرأة العزيز:"فذلكن الذي لمتنني فيه"يدل على أنهن لم يفهمن بهذا الكلام إعذار لامرأة العزيز في حبها له وتيمها وغرامها به ، وإنما كان ذلك اضطرارا منهن على الثناء عليه وإظهارا قهريا لانجذاب نفوسهن وتوله قلوبهن إليه فقد كان فيه فضاحتهن ، ولم تقل امرأة العزيز:"فذلكن الذي لمتنني فيه"إلا بعد ما فضحتهن فعلا وقولا بتقطيع الأيدي وتنزيه الحسن فلم يبق لهن إلا أن يصدقنها فيما تقول ويعذرنها فيما تفعل.

قوله تعالى:"قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم"إلى آخر الآية ، الكلام في موضع دفع الدخل كان قائلا يقول: فما ذا قالت امرأة العزيز لهن؟ فقيل:"قالت فذلكن الذي لمتنني فيه".

وقد فرعت كلامها على ما تقدمه من قولهن وفعلهن وأشارت إلى شخص الذي لمنها فيه ووصفته بأنه الذي لمنها فيه ليكون هو بعينه جوابا لما رمينها به من ترك شرف بيتها وعزة زوجها وعفة نفسها في حبه ، وعذرا قبال لومهن إياها في مراودته ، وأقوى البيان أن يحال السامع إلى العيان ، ومن هذا الباب قوله تعالى"أ هذا الذي يذكر آلهتكم": الأنبياء: 36 ، وقوله:"ربنا هؤلاء أضلونا": الأعراف: 38.

ثم اعترفت بالمراودة وذكرت لهن أنها راودته لكنه أخذ بالعفة وطلب العصمة ، وإنما استرسلت وأظهرت لهن ما لم تزل تخفيه لما رأت موافقة القلوب على التوله فيه فبثت الشكوى لهن ونبهت يوسف أنها غير تاركته فليوطن نفسه على طاعتها فيما تأمر به ، وهذا معنى قولها:"و لقد راودته عن نفسه فاستعصم".

ثم ذكرت لهن ما عزمت عليه من إجباره على الموافقة وسياسته لو خالفت فقالت:"و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين"وقد أكدت الكلام بوجوه من التأكيد كالقسم والنون واللام ونحوها ليدل على أنها عزمت على ذلك عزيمة جازمة ، وعندها ما يجبره على ما أرادته ولو استنكف فليوطن نفسه على السجن بعد الراحة ، والصغار والهوان بعد الإكرام والاحترام ، وفي الكلام تجلد ونوع تعزز وتمنع بالنسبة إليهن ونوع تنبيه وتهديد بالنسبة إلى يوسف (عليه السلام) .

وهذا التهديد الذي يتضمنه قولها:"و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين"أشد وأهول مما سألته زوجها يوم المراودة بقولها:"ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم".

أما أولا: فلأنها رددت الجزاء هناك بين السجن والعذاب الأليم وجمع هاهنا بين الجزاءين وهو السجن والكون من الصاغرين.

وأما ثانيا فلأنها هاهنا قامت بالتهديد بنفسها لا بأن تسأل زوجها ، وكلامها كلام من لا يتردد فيما عزم عليه ولا يرجع عما جزم به.

وقد حققت أنها تملك قلب زوجها وتقدر أن تصرفه مما يريده إلى ما تريده ، وتقوى على التصرف في أمره كيفما شاءت؟.

قوله تعالى:"قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين"قال الراغب في المفردات ،: صبا فلان يصبو صبوا وصبوة إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان ، قال تعالى:"أصب إليهن وأكن من الجاهلين"انتهى وفي المجمع ،: الصبوة لطافة الهوى.

انتهى.

تفاوضت امرأة العزيز والنسوة فقالت وقلن واسترسلن في بت ما في ضمائرهن ويوسف (عليه السلام) واقف أمامهن يدعونه ويراودنه عن نفسه لكن يوسف (عليه السلام) لم يلتفت إليهن ولا كلمهن ولا بكلمة بل رجع إلى ربه الذي ملك قلبه بقلب لا مكان فيه إلا له ولا شغل له إلا به"و قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"إلخ.

وقوله هذا ليس بدعاء على نفسه بالسجن وأن يصرف الله عنه ما يدعونه إليه بإلقائه في السجن ، وإنما هو بيان حال لربه وأنه عن تربية إلهية يرجح عذاب السجن في جنب الله على لذة المعصية والبعد منه ، فهذا الكلام منه نظير ما قاله لامرأة العزيز حين خلت به وراودته عن نفسه:"معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"ففي الكلامين معا تمنع وتعزز بالله ، وإنما الفرق أنه يخاطب بأحدهما امرأة العزيز وبالآخر ربه القوي العزيز وليس شيء من الكلامين دعاء البتة.

وفي قوله:"رب السجن أحب إلي"إلخ ، نوع توطئة لقوله"و إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن"إلخ ، الذي هو دعاء في صورة بيان الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت