فهرس الكتاب

الصفحة 2283 من 4314

و لا يغرنك ما تشاهده من القوة والشوكة في الأمم الراقية والانتظام والعدل الظاهر فيما بينهم ولم يوضع قوانينهم على أسس أخلاقية حيث لا ضامن لإجرائها فإنهم أمم يفكرون فكرة اجتماعية لا يرى الفرد منهم إلا نفع الأمة وخيرها ولا يدفع إلا ما يضر أمته ، ولا هم لأمته إلا استرقاق سائر الأمم الضعيفة واستدرارهم ، واستعمار بلادهم ، واستباحة نفوسهم وأعراضهم وأموالهم فلم يورثهم هذا التقدم والرقي إلا نقل ما كان يحمله الجبابرة الماضون على الأفراد إلى المجتمعات فقامت الأمة اليوم مقام الفرد بالأمس ، وهجرت الألفاظ معانيها إلى أضدادها تطلق الحرية والشرافة والعدالة والفضيلة ولا يراد بها إلا الرقية والخسة والظلم والرذيلة.

وبالجملة السنن والقوانين لا تأمن التخلف والضيعة إلا إذا تأسست على أخلاق كريمة إنسانية واستظهرت بها.

ثم الأخلاق لا تفي بإسعاد المجتمع ولا تسوق الإنسان إلى صلاح العمل إلا إذا اعتمدت على التوحيد وهو الإيمان بأن للعالم - ومنه الإنسان - إلها واحدا سرمديا لا يعزب عن علمه شيء ، ولا يغلب في قدرته عن أحد خلق الأشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها وسيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته ثم يخلدون منعمين أو معذبين.

ومن المعلوم أن الأخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة لم يبق للإنسان هم إلا مراقبة رضاه تعالى في أعماله ، وكان التقوى رادعا داخليا له عن ارتكاب الجرم ولو لا ارتضاع الأخلاق من ثدي هذه العقيدة عقيدة التوحيد لم يبق للإنسان غاية في أعماله الحيوية إلا التمتع بمتاع الدنيا الفانية والتلذذ بلذائذ الحياة المادية ، وأقصى ما يمكنه أن يعدل به معاشه فيحفظ به القوانين الاجتماعية الحيوية أن يفكر في نفسه أن من الواجب عليه أن يلتزم القوانين الدائرة حفظا للمجتمع من التلاشي وللاجتماع من الفساد ، وإن من اللازم عليه أن يحرم نفسه من بعض مشتهياته ليحتفظ به المجتمع فينال بذلك البعض الباقي ، ويثني عليه الناس ويمدحوه ما دام حيا أو يكتب اسمه في أوراق التاريخ بخطوط ذهبية.

أما ثناء الناس وتقديرهم العمل فإنما يجري في أمور هامة علموا بها أما الجزئيات وما لم يعلموا بها كالأعمال السرية فلا وقاء يقيها وأما الذكر الجاري والاسم السامي ويؤثر غالبا فيما فيه تفدية وتضحية من الأمور كالقتل في سبيل الوطن وبذل المال والوقت في ترفيع مباني الدولة ونحو ذلك فليس ممن يبتغيه ويذعن به ثم لا يذعن بما وراء الحياة الدنيا إلا اعتقادا خرافيا إذ لا إنسان - على هذا - بعد الموت والفوت حتى يعود إليه شيء من النفع بثناء أو حسن ذكر وأي عاقل يشتري تمتع غيره بحرمان نفسه من غير أي فائدة عائدة أو يقدم الحياة لغيره باختيار الموت لنفسه وليس عنده بعد الموت إلا البطلان والاعتقاد الخرافي يزول بأدنى تنبه والتفات.

فقد تبين أن شيئا عن هذه الأمور ليس من شأنه أن يقوم مقام التوحيد ، ولا أن يخلفه في صد الإنسان عن المعصية ونقض السنن والقوانين وخاصة إذا كان العمل مما من طبعه أن لا يظهر للناس وخاصة إذا كان من طبعه أن لو ظهر ظهر على خلاف ما هو عليه لأسباب تقتضي ذلك كالتعفف الذي يزعم أنه كان شرها وبغيا كما تقدم من حديث مراودة امرأة العزيز يوسف (عليه السلام) ، وقد كان أمره يدور بين خيانة العزيز في امرأته وبين اتهام المرأة إياه عند العزيز بقصدها بالسوء فلم يمنعه (عليه السلام) - ولا كان من الحري أن يمنعه - شيء إلا العلم بمقام ربه.

2 -يحصل التقوى الديني بأحد أمور ثلاثة وإن شئت فقل:

إنه سبحانه يعبد بأحد طرق ثلاثة: الخوف والرجاء والحب ، قال تعالى:"في الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور": الحديد: 20 فعلى المؤمن أن يتنبه لحقيقة الدنيا وهي أنها متاع الغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فعليه أن لا يجلعها غاية لأعماله في الحياة ، وأن يعلم أن له وراءها دارا وهي الدار الآخرة فيها ينال غاية أعماله ، وهي عذاب شديد للسيئات يجب أن يخافه ويخاف الله فيه ، ومغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها ويرجو الله فيها ، ورضوان من الله يجب أن يقدمه لرضى نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت