فهرس الكتاب

الصفحة 2284 من 4314

و طباع الناس مختلفة في إيثار هذه الطرق الثلاثة واختيارها فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف ، وكلما فكر فيما أوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفا ولفرائصه ارتعادا ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفا من عذابه.

وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاء وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعا في المغفرة والجنة.

وطائفة ثالثا وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وإنما يعبدونه لأنه أهل للعبادة وذلك لأنهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا أنه ربهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكل شيء غيرهم ، ويدبر الأمر وحده وليسوا إلا عباد الله فحسب ، وليس للعبد إلا أن يعبد ربه ، ويقدم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته ، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شيء من أعمالهم فعلا أو تركا إلا وجهه ، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم ، ولا إلى ثواب يرجيهم ، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته ، وإلى هذا يشير قوله (عليه السلام) :"ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك".

وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضات ربهم ومحضوا أعمالهم في طلب غاية هو ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية وذلك أنهم يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه ، وقد سمى نفسه بأحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ومن خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق وقال تعالى:"ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه": الأنعام: 102 ثم قال:"الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة: 7 فأفاد أن الخلقة تدور مدار الحسن وأنهما متلازمان متصادقان ثم ذكر سبحانه في آيات كثيرة أن ما خلقه من شيء آية تدل عليه وإن في السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي شيئا من جماله وجلاله.

فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثني على حسنه الذي لا يفنى ، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدل على غناه المطلق وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء كما قال تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44.

فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربهم وعرفها لهم وهو أنها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلا أنها كمرائي تجلى بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق ، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من العزة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزة والعظمة ويغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه نفسه وكل شيء ، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه ، ويبدل فؤاده قلبا سليما ليس فيه إلا الله عز اسمه قال تعالى:"و الذين آمنوا أشد حبا لله": البقرة: 165.

ولذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين الآخرين أعني طريق العبادة خوفا وطريق العبادة طمعا لا يخلوان من شرك فإن الذي يعبده تعالى خوفا من عذابه يتوسل به تعالى إلى دفع العذاب عن نفسه كما أن من يعبده طمعا في ثوابه يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة ، ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده ولا حام حول معرفته ، وقد تقدمت الرواية - عن الصادق (عليه السلام) :"هل الدين إلا الحب"وقوله (عليه السلام) في حديث:"و إني أعبده حبا له وهذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون"الحديث ، وإنما كان أهل الحب مطهرين لتنزههم عن الأهواء النفسانية والألواث المادية فلا يتم الإخلاص في العبادة إلا من طريق الحب.

3 -كيف يورث الحب الإخلاص؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت