فهرس الكتاب

الصفحة 2292 من 4314

و المشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه ويثبتون يوم الجزاء بالقول بالتناسخ كما تقدم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أن الذي يقدر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله وكذا عود النفوس بعد الموت بأبدان أخرى تتنعم فيها أو تعذب ليس من المعاد في شيء ، ولذلك نفى (عليه السلام) عنهم الإيمان بالله وبالآخرة ، وأكد كفرهم بالآخرة بتكرار الضمير حيث قال:"و هم بالآخرة هم كافرون"وذلك لأن من لا يؤمن بالله فأحرى به أن لا يؤمن برجوع العباد إليه.

وهذا الذي يقصه الله سبحانه من قول يوسف (عليه السلام) :"و اتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب"هو أول ما أنبأ في مصر نسبه وأنه من أهل بيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) .

قوله تعالى:"ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون"أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل البيت سبيلا إلى أن نشرك به شيئا ومنعنا من ذلك ، ذلك المنع من فضل الله ونعمته علينا أهل البيت وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى بل يكفرون به.

وأما أنه تعالى جعلهم بحيث لا سبيل لهم إلى أن يشركوا به فليس جعل إجبار وإلجاء بل جعل تأييد وتسديد حيث أنعم عليهم بالنبوة والرسالة والله أعلم حيث يجعل الرسالة فاعتصموا بالله عن الشرك ودانوا بالتوحيد.

وأما أن ذلك من فضل الله عليهم وعلى الناس فلأنهم أيدوا بالحق وهو أفضل الفضل والناس في وسعهم أن يرجعوا إليهم فيفوزوا باتباعهم ويهتدوا بهداهم.

وأما أن أكثر الناس لا يشكرون فلأنهم يكفرون بهذه النعمة وهي النبوة والرسالة فلا يعبئون بها ولا يتبعون أهلها أو لأنهم يكفرون بنعمة التوحيد ويتخذون لله سبحانه شركاء من الملائكة والجن والإنس يعبدونهم من دون الله.

هذا ما ذكره أكثر المفسرين في معنى الآية.

ويبقى عليه شيء وهو أن التوحيد ونفي الشركاء ليس مما يرجع فيه إلى بيان النبوة فإنه مما يستقل به العقل وتقضي به الفطرة فلا معنى لعده فضلا على الناس من جهة الاتباع بل هم والأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد وشرع سواء ولو كفروا بالتوحيد فإنما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم اتباع الأنبياء.

لكن يجب أن يعلم أنه كما أن من الواجب في عناية الله سبحانه أن يجهز نوع الإنسان مضافا إلى الهامة من طريق العقل الخير والشر والتقوى والفجور بما يدرك به أحكام دينه وقوانين شرعه وهو سبيل النبوة والوحي ، وقد تكرر توضيحه في أبحاثنا السابقة كذلك من الواجب في عنايته أن يجهز أفرادا منه بنفوس طاهرة وقلوب سليمة مستقيمة على فطرتها الأصلية لازمة لتوحيده ممتنعة عن الشرك به يستبقي به أصل التوحيد عصرا بعد عصر ويحيى به روح السعادة جيلا بعد جيل ، والبرهان عليه هو البرهان على النبوة والوحي فإن الواحد من الإنسان العادي لا يمتنع عليه الشرك ونسيان التوحيد ، والجائز على الواحد جائز على الجميع وفي تلبس الجميع بالشرك فساد النوع في غايته وبطلان الغرض الإلهي في خلقته.

فمن الواجب أن يكون في النوع رجال متلبسون بإخلاص التوحيد يقومون بأمره ويدافعون عنه وينبهون الناس عن رقدة الغفلة والجهالة بإلقاء حججه وبث شواهده وآياته وبينهم وبين الناس رابطة التعليم والتعلم دون السوق والاتباع.

وهذه النفوس إن كانت فهي نفوس الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ، وفي خلقهم وبعثهم فضل من الله سبحانه عليهم بتعليم توحيده لهم ، وعلى الناس بنصب من يذكرهم الحق الذي تقضي به فطرتهم ويدافع عن الحق تجاه غفلتهم وضلالتهم فإن اشتغال الناس بالأعمال المادية ومزاولتهم للأمور الحسية تجذبهم إلى اللذات الدنيوية وتحرضهم على الإخلاد إلى الأرض فتبعدهم عن المعنويات وتنسيهم ما في فطرهم من المعارف الإلهية ، ولو لا رجال متألهون متولهون في الله الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار في كل برهة من الزمان لأحيطت الأرض بالعماء ، وانقطع السبب الموصول بين الأرض والسماء ، وبطلت غاية الخلقة ، وساخت الأرض بأهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت