و من هنا يظهر أن الحق أن تنزل الآية على هذه الحقيقة فيكون معنى الآية: لم يجعل لنا بتأييد من الله سبيل إلى أن نشرك بالله شيئا ، ذلك أي كوننا في أمن من الشرك من فضل الله علينا لأنه الهدى الذي هو سعادة الإنسان وفوزه العظيم.
وعلى الناس لأن في ذلك تذكيرهم إذا نسوا وتنبيههم إذا غفلوا ، وتعليمهم إذا جهلوا ، وتقويمهم إذا عوجوا ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله بل يكفرون بهذا الفضل فلا يعبئون به ولا يقبلون عليه بل يعرضون عنه.
هذا.
وذكر بعضهم في معنى الآية: أن المشار إليه بقوله:"ذلك من فضل الله علينا"إلخ ، هو العلم بتأويل الأحاديث.
وهو كما ترى بعيد من سياق الآية.
قوله تعالى:"يا صاحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار"لفظة الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب واختار أحد شيئين يتردد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو الذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبية فيتعين الأخذ به فخير الفعلين هو المطلوب منهما الذي يتعين القيام به وخير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة الأخذ به كخير المالين من جهة التمتع به وخير الدارين من جهة سكناها وخير الإنسانين من جهة مصاحبته ، وخير الرأيين من جهة الأخذ به ، وخير الإلهين من جهة عبادته ، ومن هنا ذكر أهل الأدب أن الخير في الأصل"أخير"أفعل تفضيل ، والحقيقة أنه صفة مشبهة تفيد بحسب المادة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل في القياس.
وبما مر يتبين أن قوله (عليه السلام) :"أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار"إلخ مسوق لبيان الحجة على تعينه تعالى للعبادة إذا فرض تردد الأمر بينه وبين سائر الأرباب التي تدعى من دون الله لا لبيان أنه تعالى هو الحق الموجود دون غيره من الأرباب أو أنه تعالى هو الإله الذي تنتهي إليه الأشياء بدءا وعودا دونها أو غير ذلك فإن الشيء إنما يسمى خيرا من جهة طلبه وتعيينه بالأخذ به بنحو فقوله (عليه السلام) : أ هو خير أم سائر الأرباب يريد به السؤال عن تعين أحد الطرفين من جهة الأخذ به والأخذ بالرب هو عبادته.
ثم إنه (عليه السلام) سمى آلهتهم أربابا متفرقين لأنهم كانوا يعبدون الملائكة وهم عندهم صفات الله سبحانه أو تعينات ذاته المقدسة التي تستند إليها جهات الخير والسعادة في العالم فيفرقون بين الصفات بتنظيمها طولا وعرضا ويعبدون كلا بما يخصه من الشأن فهناك إله العلم وإله القدرة وإله السماء وإله الأرض وإله الحسن وإله الحب وإله الأمن والخصب وغير ذلك ، ويعبدون الجن وهم مبادىء الشر في العالم كالموت والفناء والفقر والقبح والألم والغم وغير ذلك ، ويعبدون أفرادا كالكملين من الأولياء والجبابرة من السلاطين والملوك وغيرهم ، وهم جميعا متفرقون من حيث أعيانهم ومن حيث أصنامهم والتماثيل المتخذة لهم المنصوبة للتوجه بها إليهم.
وقابل الأرباب المتفرقين بذكر الله عز اسمه ووصفه بالواحد القهار حيث قال:"أم الله الواحد القهار"فالكلمة تفيد بحسب المعنى خلاف ما يفيده قوله:"أ أرباب متفرقون"لضرورة التقابل بين طرفي الترديد.
فالله علم بالغلبة يراد به الذات المقدسة الإلهية التي هي حقيقة لا سبيل للبطلان إليه ووجود لا يتطرق العدم والفناء إليه ، والوجود الذي هذا شأنه لا يمكن أن يفرض له حد محدود ولا أمد ممدود لأن كل محدود فهو معدوم وراء حده ، والممدود باطل بعد أمده فهو تعالى ذات غير محدود ووجود غير متناه بحب ، وإذا كان كذلك لم يمكن أن يفرض له صفة خارجة عن ذاته مباينة لنفسه كما هو الحال في صفاته لتأدية هذه المغايرة إلى كونه تعالى محدودا غير موجود في ظرف الصفة وفاقرا لا يجد الصفة في ذاته ولم يمكن أيضا فرض المغايرة والبينونة بين صفاته الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لأن ذلك يؤدي إلى وجود حدود في داخل الذات لا يوجد ما في داخل حد في خارجه فيتغاير الذات والصفات ويتكثر جميعا ويحد ، وهذا كله مما اعترفت به الوثنية على ما بأيدينا من معارفهم.