و معنى الآية - والله أعلم - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء خالية عن المسميات لم يضعها إلا أنتم وآباؤكم من غير أن ينزل الله سبحانه من عنده برهانا يدل على أن لها شفاعة عند الله أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتى يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها ، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرها.
وأما قوله:"ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"فيشير به إلى ما ذكره من توحيد الله ونفي الشريك عنه ، والقيم هو القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل والمتضعضع ، والمعنى أن دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع وسوقه إلى منزل السعادة ، والدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي والحقية من غير بطلان ، ولكن أكثر الناس لأنسهم بالحس والمحسوس وانهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة القلب واستقامة العقل لا يعلمون ذلك ، وإنما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون.
أما أن التوحيد دين فيه الرشد ومطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه (عليه السلام) من البرهان ، وأما أنه هو القوي على إدارة المجتمع الإنساني فلأن هذا النوع إنما يسعد في مسير حياته إذا بنى سنن حياته وأحكام معاشه على مبنى حق مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبنى باطل خرافي لا يعتمد على أصل ثابت.
فقد بان من جميع ما تقدم أن الآيتين جميعا أعني قوله:"يا صاحبي السجن"- إلى قوله -"ألا تعبدوا إلا إياه"برهان واحد على توحيد العبادة ، محصله أن عبادة المعبود أن كانت لألوهيته في نفسه ووجوب وجوده بذاته فالله سبحانه في وجوده واحد قهار لا يتصور له ثان ولا مع تأثيره مؤثر آخر فلا معنى لتعدد الآلهة ، وإن كانت لكون آلهة غير الله شركاء له شفعاء عنده فلا دليل على ثبوت الشفاعة لهم من قبل الله سبحانه بل الدليل على خلافه فإن الله حكم من طريق العقل وبلسان أنبيائه أن لا يعبد إلا هو.
وبذلك يظهر فساد ما أورده البيضاوي في تفسيره تبعا للكشاف أن الآيتين تتضمنان دليلين على التوحيد فما في الأولى وهو قوله:"أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار"دليل خطابي ، وما في الثانية وهو قوله:"ما تعبدون من دونه إلا أسماء"إلخ برهان تام.
قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الإلهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير وكلا القسمين منتف عنهما ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه.
انتهى.
ولعل الذي حدأه إلى ذلك ما في الآية الأولى من لفظة الخير فاستظهر منه الرجحان الخطابي ، وقد فاته ما فيها من قيد"الواحد القهار"وقد عرفت تقرير ما تتضمنه الآيتان من البرهان ، وأن الذي ذكره من معنى الآية الثانية هو مدلول مجموع الآيتين دون الثانية فحسب.
وربما يقرر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخصه أن الله الواحد الذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرقة التي تفعل في الكون ويسوقها على تلائم آثارها المتفرقة المتنوعة بعضها مع بعض حتى ينتظم منها نظام واحد غير متناقض الأطراف كما هو المشهود من وحدة النظام وتوافق الأسباب خير من أرباب متفرقين تترشح منها لتفرقها ومضادتها أنظمة مختلفة وتدابير متضادة تؤدي إلى انفصام وحدة النظام الكوني وفساد التدبير الواحد العمومي.
ثم الآلهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمياتها في الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل ولا من جانب النقل لأن العقل لا يدل إلا على التوحيد والأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي إلا بأن لا يعبد إلا الله وحده.
انتهى.
وهذا التقرير - كما ترى - ينزل الآية الأولى على معنى قوله تعالى"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا": الأنبياء: 22 ، ويعمم الآية الثانية على نفي ألوهية آلهة إلا الله بذاتها ونفي ألوهيتها من جهة إذن الله في شفاعتها.