فهرس الكتاب

الصفحة 2296 من 4314

و يرد عليه أولا: أن فيه تقييدا لإطلاق قوله:"القهار"من غير مقيد فإن الله سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كل شيء في ذاته وصفته وآثاره فلا ثاني له في وجوده ولا ثاني له في استقلاله في نفسه وفي تأثيره فلا يتأتى مع وحدته القاهرة على الإطلاق أن يفرض شيء يستقل عنه في وجوده ، ولا أمر يستقل عنه في أمره ، والإله الذي يفرض دونه إما مستقل عنه في ذاته وآثار ذاته جميعا وإما مستقل عنه في آثار ذاته فحسب ، وكلا الأمرين محال كما ظهر.

وثانيا: أن فيه تعميما لخصوص الآية الثانية من غير معمم فإن الآية - كما عرفت - تنيط كونها آلهة بإذن الله وحكمه كما هو ظاهر قوله:"ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله"إلخ ومن الواضح أن هذه الألوهية المنوطة بإذنه تعالى وحكمه ألوهية شفاعة لا ألوهية ذاتية أي ألوهية بالغير لا ما هو أعم من الألوهية بالذات وبالغير جميعا.

قوله تعالى:"يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان"معنى الآية ظاهر ، وقرينة المناسبة قاضية بأن قوله:"أما أحدكما"إلخ ، تأويل رؤيا من قال منهما:"إني أراني أعصر خمرا"وقوله:"و أما الآخر"إلخ ، تأويل لرؤيا الآخر.

وقوله:"قضي الأمر الذي فيه تستفتيان"لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب وأكل الطير من رأسه ، ويتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) : أن الثاني من الصاحبين قال له: إني كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال (عليه السلام) :"قضي الأمر الذي فيه تستفتيان"أي إن التأويل الذي استفتيتما فيه مقضي مقطوع لا مناص عنه.

قوله تعالى:"و قال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين"الضمائر في قوله:"قال"و"ظن"و"لبث"راجعة إلى يوسف أي قال يوسف للذي ظن هو أنه سينجو منهما: اذكرني عند ربك بما يثير رحمته لعله يخرجني من السجن.

وإطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضي المقطوع به وتصريحه بأن ربه علمه تأويل الأحاديث لعله من إطلاق الظن على مطلق الاعتقاد وله نظائر في القرآن كقوله تعالى:"الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم": البقرة: 46.

وأما قول بعضهم: إن إطلاق الظن على اعتقاده يدل على أنه إنما أول ما أول عن اجتهاد منه.

يفسده ما قدمنا الإشارة إليه أنه صرح لهما بعلمه في قوله:"قضي الأمر الذي فيه تستفتيان"والله سبحانه أيد ذلك بقوله:"و لنعلمه من تأويل الأحاديث"وهذا ينافي الاجتهاد الظني.

وقد احتمل أن يكون ضمير"ظن"راجعا إلى الموصول أي قال يوسف لصاحبه الذي ظن ذلك الصاحب أنه ناج منهما.

وهذا المعنى لا بأس به إن ساعده السياق.

وقوله:"فأنساه الشيطان ذكر ربه"إلخ ، الضميران راجعان إلى"الذي"أي فأنسى الشيطان صاحبه الناجي أن يذكره لربه أو عند ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين والبضع ما دون العشرة فإضافة الذكر إلى ربه من قبيل إضافة المصدر إلى معموله المعدى إليه بالحرف أو إلى المظروف بنوع من الملابسة.

وأما إرجاع الضميرين إلى يوسف حتى يفيد أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله سبحانه فتعلق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع سنين كما ذكره بعضهم وربما نسب إلى الرواية.

فمما يخالف نص الكتاب فإن الله سبحانه نص على كونه (عليه السلام) من المخلصين ونص على أن المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافا إلى ما أثنى الله عليه في هذه السورة.

والإخلاص لله لا يستوجب ترك التوسل بالأسباب فإن ذلك من أعظم الجهل لكونه طمعا فيما لا مطمع فيه بل إنما يوجب ترك الثقة بها والاعتماد عليها وليس في قوله:"اذكرني عند ربك"ما يشعر بذلك البتة.

على أن قوله تعالى بعد آيتين:"و قال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة"إلخ ، قرينة صالحة على أن الناسي هو الساقي دون يوسف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت