فهرس الكتاب

الصفحة 2300 من 4314

قوله تعالى:"و قال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون"الأمة الجماعة التي تقصد لشأن ويغلب استعمالها في الإنسان ، والمراد بها هاهنا الجماعة من السنين وهي المدة التي نسي فيها هذا القائل وهو ساقي الملك أن يذكر يوسف عند ربه وقد سأله يوسف ذلك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين.

والمعنى: وقال الذي نجا من السجن من صاحبي يوسف فيه وادكر بعد جماعة من السنين ما سأله يوسف في السجن حين أول رؤياه: أنا أنبئكم بتأويل ما رآه الملك في منامه فأرسلوني إلى يوسف في السجن حتى أخبركم بتأويل ذلك.

وخطاب الجمع في قوله:"أنبئكم"وقوله"فأرسلون"تشريك لمن حضر مع الملك وهم الملأ من أركان الدولة وأعضاد المملكة الذين يلون أمور الناس ، والدليل عليه قوله الآتي:"لعلي أرجع إلى الناس"كما سيأتي.

قوله تعالى:"يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان"إلى آخر الآية ، في الكلام حذف وتقدير إيجازا ، والتقدير: فأرسلوه فجاء إلى يوسف في السجن فقال: يا يوسف أيها الصديق أفتنا في رؤيا الملك وذكر الرؤيا وذكر أن الناس في انتظار تأويله وهذا الأسلوب من لطائف أساليب القرآن الكريم.

سمى يوسف صديقا وهو كثير الصدق المبالغ فيه لما كان رأى من صدقه فيما عبر به منامه ومنام صاحبه في السجن وأمور أخرى شاهدها من فعله وقوله في السجن ، وقد أمضى الله سبحانه كونه صديقا بنقله ذلك من غير رد.

وقد ذكر متن الرؤيا من غير أن يصرح أنه رؤيا فقال:"أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات"لأن قوله:"أفتنا"وهو سؤال الحكم الذي يؤدي إليه نظره ، وكون المعهود فيما بينه وبين يوسف تأويل الرؤيا ، وكذا ذيل الكلام يدل على ذلك ويكشف عنه.

وقوله:"لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون"لعل الأول تعليل لقوله:"أفتنا"ولعل الثاني تعليل لقوله"أرجع"والمراد أفتنا في أمر هذه الرؤيا ففي إفتائك رجاء أن أرجع به إلى الناس وأخبرهم بها وفي رجوعي إليهم رجاء أن يعلموا به فيخرجوا به من الحيرة والجهالة.

ومن هنا يظهر أن قوله:"أرجع"في معنى أرجع بذلك فمن المعلوم أنه لو أفتى فيه فرجع المستفتي إلى الناس كان رجوعه رجوع عالم بتأويله خبير بحكمه فرجوعه عندئذ إليهم رجوع بمصاحبة ما ألقي إليه من التأويل فافهم ذلك.

وفي قوله أولا:"أفتنا"وثانيا:"لعلي أرجع إلى الناس"دلالة على أنه كان يستفتيه بالرسالة عن الملك والملأ ولم يكن يسأله لنفسه حتى يعلمه ثم يخبرهم به بل ليحمله إليهم ولذلك لم يخصه يوسف بالخطاب بل عم الخطاب له ولغيره فقال:"تزرعون"إلخ.

وفي قوله:"إلى الناس"إشعار أو دلالة على أن الناس كانوا في انتظار أن يرتفع بتأويله حيرتهم ، وليس إلا أن الملأ كانوا هم أولياء أمور الناس وخيرتهم في الأمر خيرة الناس أو أن الناس أنفسهم كانوا على هذا الحال لتعلقهم بالملك واهتمامهم برؤياه لأن الرؤيا ناظرة غالبا إلى ما يهتم به الإنسان من شئون الحياة والملوك إنما يهتمون بشئون المملكة وأمور الرعية.

قوله تعالى:"قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون"قال الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا قال تعالى:"و سخر لكم الشمس والقمر دائبين"والدأب العادة المستمرة دائما على حاله قال تعالى:"كدأب آل فرعون"أي كعادتهم التي يستمرون عليها.

انتهى وعليه فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة ، وقيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد واجتهاد ، ويمكن أن يكون حالا أي تزرعون دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه.

ذكروا أن"تزرعون"خبر في معنى الإنشاء ، وكثيرا ما يؤتى بالأمر في صورة الخبر مبالغة في وجوب الامتثال كأنه واقع يخبر عنه كقوله تعالى:"تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله": الصف: 11 ، والدليل عليه قوله بعد:"فما حصدتم فذروه في سنبله"، قيل: وإنما أمر بوضعه وتركه في سنبله لأن السنبل لا يقع فيه سوس ولا يهلك وإن بقي مدة من الزمان ، وإذا ديس وصفي أسرع إليه الهلاك.

والمعنى: ازرعوا سبع سنين متواليات فما حصدتم فذروه في سنبله لئلا يهلك واحفظوه كذلك إلا قليلا وهو ما تأكلون في هذه السنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت