قوله تعالى:"ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون"الشداد جمع شديد من الشدة بمعنى الصعوبة لما في سني الجدب والمجاعة من الصعوبة والحرج على الناس أو هو من شد عليه إذا كر ، وهذا أنسب لما بعده من توصيفها بقوله:"يأكلن ما قدمتم لهن".
وعليه فالكلام يشتمل على تمثيل لطيف كان هذه السنين سباع ضارية تكر على الناس لافتراسهم وأكلهم فيقدمون إليها ما ادخروه عندهم من الطعام فتأكله وتنصرف عنهم.
والإحصان الإحراز والإدخار ، والمعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السنين الخصبة سبع سنين شداد يشددن عليكم يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحرزون وتدخرون.
قوله تعالى:"ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون"يقال: غاثه الله وأغاثه أي نصره ، ويغيثه بفتح الياء وضمها أي ينصره وهو من الغوث بمعنى النصرة وغاثهم الله يغيثهم من الغيث وهو المطر ، فقوله:"فيه يغاث الناس"إن كان من الغوث كان معناه: ينصرون فيه من قبل الله سبحانه بكشف الكربة ورفع الجدب والمجاعة وإنزال النعمة والبركة ، وإن كان من الغيث كان معناه: يمطرون فيرتفع الجدب من بينهم.
وهذا المعنى الثاني أنسب بالنظر إلى قوله بعده:"و فيه يعصرون"ولا يصغى إلى قول من يدعي: أن المعنى الأول هو المتبادر من سياق الآية إلا على قراءة"يعصرون"بالبناء للمجهول ومعناه يمطرون.
وما أورده بعض المستشرقين على المعنى الثاني أنه لا ينطبق على مورد الآية فإن خصب مصر إنما يكون بفيضان النيل لا بالمطر فالأمطار لا تؤثر فيها أثرا.
رد عليه بأن الفيضان نفسه لا يكون إلا بالمطر الذي يمده في مجاريه من بلاد السودان.
على أن من الجائز أن يكون"يغاث"مأخوذا من الغيث بمعنى النبات ، قال في لسان العرب ،: والغيث الكلاء ينبت من ماء السماء انتهى ، وهذا أنسب من المعنيين السابقين بالنظر إلى قوله:"و فيه يعصرون".
وقوله:"و فيه يعصرون"من العصر وهو إخراج ما في الشيء من ماء أو دهن بالضغط كإخراج ماء العنب والتمر للدبس وغيره وإخراج دهن الزيت والسمسم للائتدام والاستصباح وغيرهما ، ويمكن أن يراد بالعصر الحلب أي يحلبون ضروع أنعامهم كما فسره بعضهم به.
والمعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السبع الشداد عام فيه تنبت أراضيهم - أو يمطرون أو ينصرون - وفيه يتخذون الأشربة والأدهنة من الفواكه والبقول أو يحلبون ضروع أنعامهم.
وفيه كناية عن توفر النعمة عليهم وعلى أنعامهم ومواشيهم.
قال البيضاوي في تفسيره ،: وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة ، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب أو بأن السنة الإلهية أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم.
انتهى وذكر غيره نحوا مما ذكره.
وقال صاحب المنار في تفسيره ، في الآية: والمراد أن هذا العام عظيم الخصب والإقبال يكون للناس فيه كل ما يبغون من النعمة والإتراف ، والإنباء بهذا زائد على تأويل الرؤيا لجواز أن يكون العام الأول بعد سني الشدة والجدب دون ذلك فهذا التخصيص والتفصيل لم يعرفه يوسف إلا بوحي من الله عز وجل لا مقابل له في رؤيا الملك ولا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل.
انتهى.
والذي أرى أنهم سلكوا تفسير آيات الرؤيا وتأويلها سبيل المساهلة والمسامحة وذلك أنا إذا تدبرنا في كلامه (عليه السلام) في التأويل أعني قوله:"تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون"وجدناه (عليه السلام) لم يبن كلامه على أساس إخبارهم بما سيستقبلهم من السنين السبع المخصبة ثم السنين السبع المجدبة ، ولو أنه أراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقول مثلا: يأتي عليكم سبع مخصبات ثم يأتي من بعدها سبع شداد يذهبن بما عندكم من الذخائر ثم إذا سئل عن دفع هذه المخمصة وطريق النجاة من هذه المهلكة العامة ، قال: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلى آخر ما قال.