فهرس الكتاب

الصفحة 2302 من 4314

بل بنى كلامه على ذكر ما يجب عليهم من العمل وبين أن أمره بذلك توطئة وتقدمة للتخلص عما يهددهم من المجاعة والمخمصة وهو ظاهر ، وهذا دليل على أن الذي رآه الملك من الرؤيا إنما كان مثال ما يجب عليه من اتخاذ التدبير لإلجاء الناس من مصيبة الجدب ، وإشارة إلى ما هو وظيفته قبال مسئوليته في أمر رعيته وهو أن يسمن بقرات سبعا لتأكلهن بقرات مهازيل ستشد عليهم ويحفظ السنابل الخضر السبع بعد ما يبست على حالها من غير دوس وتصفية لذلك.

فكأن نفس الملك شاهدت في المنام ما يجب عليه من العمل قبال ما يهدد الأرض من سنة الجدب فحكت السنين المخصبة والمجدبة أي الرزق الذي يرتزقون به فيها في صورة البقرة ثم حكت ما في السبع الأول من تكثير المحصول بزرعها دأبا في صورة السمن وما في السبع الآخر في صورة الهزال ، وحكت نفاد ما ادخروه في السبع الأولى في السبع الثانية بأكل العجاف للسمان ، وحكت ما يجب عليهم في حفظ ذخائر الرزق بالسنبلات اليابسة قبال السنبلات الخضر.

ولم يزد يوسف (عليه السلام) في تأويله على ذلك شيئا إلا أمورا ثلاثة: أحدها ما استثناه بقوله:"إلا قليلا مما تأكلون"وليس جزء من التأويل وإنما هو إباحة وبيان لمقدار التصرف الجائز فيما يجب أن يذروه في سنبله.

وثانيها: قوله:"إلا قليلا مما تحصنون"وهو الذي يجب أن يدخروه للعام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ليتخذ بذرا ومددا احتياطيا ، وكأنه (عليه السلام) أخذه من قوله في حكاية الرؤيا:"يأكلهن سبع عجاف"حيث لم يقل: أكلتهن بل عبر عن اشتغالهن بأكلهن ولما يفنيهن بأكل كلهن ولو كانت ذخائرهم تنفد في السنين السبع الشداد لرأى أنهن أكلتهن عن آخرهن.

وثالثها: قوله:"ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون"والظاهر أنه (عليه السلام) استفاده من عدد السبع الذي تكرر في البقرات السمان والعجاف والسنبلات الخضر ، وقوله:"ثم يأتي من بعد ذلك عام"وإن كان إخبارا صورة عن المستقبل لكنه كناية عن أن هذا العام الذي سيستقبلهم بعد مضي السبع الشداد في غنى عن اجتهادهم في أمر الزرع والإدخار ، ولا تكليف فيه يتوجه إليهم بالنسبة إلى أرزاق الناس.

ولعله لهذه الثلاثة غير السياق فقال:"فيه يغاث الناس وفيه يعصرون"ولم يقل: فيه تغاثون وفيه تعصرون بالجري على نحو الخطاب في الآيتين السابقتين ففيه إشارة إلى أن الناس في هذا العام في غنى عن اجتهادكم في أمر معاشهم وتصديكم لإدارة أرزاقهم بل يغاثون ويعصرون لنزول النعمة والبركة في سنة مخصبة.

ومن هنا يظهر اندفاع ما ذكره صاحب المنار ، في كلامه المتقدم أن هذا التخصيص لم يعرفه يوسف (عليه السلام) إلا بوحي من الله لا مقابل له في رؤيا الملك ولا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل.

انتهى.

فإن تبدل سني الجدب بسنة الخصب مما يستفاد من الرؤيا بلا ريب فيه ، وأما ما ذكره من كون هذه السنة ذات مزية بالنسبة إلى سائر سني الخصب تزيد عليها في وفور الرزق فلا دليل عليها من جهة اللفظ البتة.

ومما ذكرنا أيضا تظهر النكتة في ترك توصيف السنبلات اليابسات في الآية بالسبع حيث قيل:"و سبع سنبلات خضر وأخر يابسات"حيث عرفت أن الرؤيا لا تجلي نفس حادثة الخصب والجدب ، وإنما تجلي ما هو التكليف العملي قبال الحادثة فيكون توصيف السنابل اليابسة بالسبع مستدركا مستغنى عنه بخلاف ما لو كان ذلك إشارة إلى نفس السنين المجدبة فافهم ذلك.

ومما تقدم يظهر أيضا أن الأنسب أن يكون المراد بقوله:"يغاث"وقوله:"يعصرون"الإمطار أو إعشاب الكلاء وحلب المواشي لأن ذلك هو المناسب لما رآه في منامه من البقرات السبع سمانا وعجافا فإن هذا هو المعهود ، ومنه يظهر وجه تخصيص الغيث والعصر بالذكر في هذه الآية ، والله أعلم.

قوله تعالى:"و قال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم"في الكلام حذف وإضمار إيجازا ، والتقدير - على ما يدل عليه السياق والاعتبار بطبيعة الأحوال - وجاء الرسول وهو الساقي فنبأهم بما ذكره يوسف من تأويل الرؤيا وقال الملك بعد ما سمعه: ائتوني به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت