فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 4314

و قوله:"قالوا يا أبانا منع منا الكيل"أي لو لم نذهب بأخينا ولم يذهب معنا إلى مصر ، بدليل قوله:"فأرسل معنا أخانا"فهو إجمال ما جرى بينهم وبين عزيز مصر من أمره بمنعهم من الكيل أن لم يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم ، يقصونه لأبيهم ويسألونه أن يرسله معهم ليكتالوا ولا يحرموا.

وقولهم:"أخانا"إظهار رأفة وإشفاق لتطييب نفس أبيهم من أنفسهم كقولهم:"و إنا له لحافظون"بما فيه من التأكيد البالغ.

قوله تعالى:"قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين"قال في المجمع ،: الأمن اطمئنان القلب إلى سلامة الأمر يقال: أمنه يأمنه أمنا انتهى فقوله:"هل آمنكم عليه"إلخ ، أي هل اطمأن إليكم في ابني هذا إلا مثل ما اطمأننت إليكم في أخيه يوسف من قبل هذا فكان ما كان.

ومحصله أنكم تتوقعون مني أن أثق فيه بكم وتطمئن نفسي إليكم كما وثقت بكم واطمأننت إليكم في أخيه من قبل وتعدونني بقولكم:"و إنا له لحافظون"أن تحفظوه كما وعدتم في يوسف بقولكم:"و إنا له لحافظون"وقد أمنتكم بمثل هذا الأمن على يوسف فلم تغنوا عني شيئا وجئتم بقميصه الملطخ بالدم أن الذئب أكله وأمني لكم على هذا الأخ مثل أمني على أخيه من قبل أمن لمن لا يغني أمنه والاطمئنان إليه شيئا ولا بيده حفظ ما سلم إليه واؤتمن له.

وقوله:"فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين"تفريع على سابق كلامه:"هل آمنكم عليه"إلخ ، وتفيد الاستنتاج أي إذا كان الاطمئنان إليكم في أمره لغا لا أثر له ولا يغني شيئا فخير الاطمئنان والاتكال ما كان اطمئنانا إلى الله سبحانه من حيث حفظه ، وإذا تردد الأمر بين التوكل عليه والتفويض إليه وبين الاطمئنان إلى غيره كان الوثوق به تعالى هو المختار المتعين.

وقوله:"و هو أرحم الراحمين"في موضع التعليل لقوله:"فالله خير حافظا"أي إن غيره تعالى ربما أمن في أمر واؤتمن عليه في أمانة سلم له فلم يرحم المؤتمن وضيع الأمانة لكنه سبحانه أرحم الراحمين لا يترك الرحمة في محل الرحمة ويترحم العاجز الضعيف الذي فوض إليه أمرا وتوكل عليه ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

ومن هنا يظهر أن مراده (عليه السلام) ليس بيان لزوم اختياره تعالى في الاعتماد عليه من جهة أنه سبب مستقل في سببيته غير مغلوب البتة بخلاف سائر الأسباب وإن كان الأمر كذلك قال تعالى:"و من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3 كيف والاطمئنان إلى غيره تعالى بهذا المعنى من الشرك الذي يتنزه عنه ساحة الأنبياء ، وقد نص تعالى على أن يعقوب (عليه السلام) من المخلصين أهل الاجتباء وأنه من الأئمة الهداة المهديين ، وهو (عليه السلام) يعترف في قوله:"إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل"أنه أمنهم على يوسف ولو كان من الشرك لم يقدم عليه البتة.

على أنه أمنهم على أخي يوسف أيضا بعد ما أعطوه موثقا من الله تعالى كما تدل عليه الآيات التالية.

بل يريد بيان لزوم اختياره تعالى في الاطمئنان إليه دون غيره من جهة أنه تعالى متصف بصفات كريمة يؤمن معها أن يستغش عباده المتوكلين عليه المسلمين له أمورهم فإنه رءوف بعباده رحيم غفور ودود كريم حكيم عليم ويجمع الجميع أنه أرحم الراحمين على أنه لا يغلب في أمره لا يقهر في مشيته ، وأما الناس إذا أمنوا على أمر واطمأن إليهم في شيء فإنهم أسراء الأهواء وملاعب الهوسات النفسانية ربما أخذتهم كرامة النفس وشيمة الوفاء وصفة الرحمة فحفظوا ما في اختيارهم أن يحفظوه ولا يخونوه وربما خانوا ولم يحفظوا.

على أنهم لا استقلال لهم في قدرة ولا استغناء لهم في قوة وإرادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت