فهرس الكتاب

الصفحة 2314 من 4314

و بالجملة مراده (عليه السلام) أن الاطمئنان إلى حفظ الله سبحانه خير من الاطمئنان إلى حفظ غيره لأنه تعالى أرحم الراحمين لا يخون عبده فيما أمنه عليه واطمأن فيه إليه بخلاف الناس فإنهم ربما لم يفوا لعهد الأمانة ولم يرحموا المؤتمن المتوسل بهم فخانوه ، ولذلك لما كلف بنيه ثانيا أن يؤتوه موثقا من الله قال:"إن تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم"فاستثنى ما ليس في اختيارهم من الحفظ وهو حفظه إذا أحيط بهم فإنه فوق استطاعتهم ومقدرتهم وليسوا بمسئولين عنه ، وإنما سألهم الموثق في إتيانه فيما لا يخرج من اختيارهم كالقتل والنفي ونحو ذلك فافهم ذلك.

ومما تقدم يظهر أن في قوله (عليه السلام) :"و هو أرحم الرحمين"نوع تعريض لهم وتلويح إلى أنهم لم يستوفوا الرحم - أو لم يرحموه أصلا - في أمر يوسف حين أمنهم عليه ، والآية على أي حال في معنى الرد لما سألوه.

قوله تعالى:"و لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم"إلى آخر الآية.

البغي هو الطلب ويستعمل كثيرا في الشر ومنه البغي بمعنى الظلم والبغي بمعنى الزنا ، وقال في المجمع ،: الميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد ويقال: مرتهم أميرهم ميرا: إذا أتيتهم بالميرة ، ومثله: امترتهم امتيارا.

انتهى.

وقوله:"يا أبانا ما نبغي"استفهام أي لما فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم ردت إليهم وكان ذلك دليلا على إكرام العزيز لهم وأنه غير قاصد بهم سوءا وقد سلم إليهم الطعام ورد إليهم الثمن فكان ذهابهم إلى مصر للامتيار خير سفر نفعا ودرا راجعوا أباهم وقالوا: يا أبانا ما الذي نطلب من سفرنا إلى مصر وراء هذا؟ فقد أوفى لنا الكيل ورد إلينا ما بذلناه من البضاعة ثمنا.

فقولهم:"يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا"أرادوا به تطييب نفس أبيهم ليرضى بذهاب أخيهم معهم لأنه في أمن من العزيز وهم يحفظونه كما وعدوه و"لذلك عقبوه بقولهم:"و نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير"أي سهل."

وربما قيل: إن"ما"في قوله:"ما نبغي"للنفي أي ما نطلب بما أخبرناك من العزيز وإكرامه لنا الكذب فهذه بضاعتنا ردت إلينا ، وكذا قيل: إن اليسير بمعنى القليل أي إن الذي جئنا به إليك من الكيل قليل لا يقنعنا فنحتاج إلى أن نضيف إليه كيل بعير أخينا.

قوله تعالى:"قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل"الموثق بكسر الثاء ما يوثق به ويعتمد عليه ، والموثق من الله هو أمر يوثق به ويرتبط مع ذلك بالله وإيتاء موثق إلهي وإعطاؤه هو أن يسلط الإنسان على أمر إلهي يوثق به كالعهد واليمين بمنزلة الرهينة ، والمعاهد والمقسم بقوله عاهدت الله أن أفعل كذا أو بالله لأفعلن كذا يراهن كرامة الله وحرمته فيضعها رهينة عند من يعاهده أو يقسم له ، ولو لم يف بما قال خسر في رهينته وهو مسئول عند الله لا محالة.

والإحاطة من حاط بمعنى حفظ ومنه الحائط للجدار الذي يدور حول المكان ليحفظه والله سبحانه محيط بكل شيء أي مسلط عليه حافظ له من كل جهة لا يخرج ولا شيء من أجزائه من قدرته ، وأحاط به البلاء والمصيبة أي نزل به على نحو انسدت عليه جميع طرق النجاة فلا مناص له منه ، ومنه قولهم: أحيط به أي هلك أو فسد أو انسدت عليه طرق النجاة والخلاص قال تعالى:"و أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها": الكهف: 42 ، وقال:"و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين": يونس: 22 ومنه قوله في الآية:"إلا أن يحاط بكم"أي أن ينزل بكم من النازلة ما يسلب منكم كل استطاعة وقدرة فلا يسعكم الإتيان به إلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت