فهرس الكتاب

الصفحة 2315 من 4314

و الوكالة نوع تسلط على أمر يعود إلى الغير ليقوم به ، وتوكيل الإنسان غيره في أمر تسليطه عليه ليقوم في إصلاحه مقامه ، والتوكل عليه اعتماده والاطمئنان إليه في أمر ، وتوكيله تعالى والتوكل عليه في الأمور ليس بعناية أنه خالق كل شيء ومالكه ومدبره بل بعناية أنه أذن في نسبة الأمور إلى مصادرها والأفعال إلى فواعلها وملكها إياها بنحو من التمليك وهي فاقدة للأصالة والاستقلال في التأثير والله سبحانه هو السبب المستقل القاهر لكل سبب الغالب عليه فمن الرشد إذا أراد الإنسان أمرا وتوصل إليه بالأسباب العادية التي بين يديه أن يرى الله سبحانه هو السبب الوحيد المستقل بتدبير الأمر وينفي الاستقلال والأصالة عن نفسه وعن الأسباب التي استعملها في طريق الوصول إليه فيتوكل عليه سبحانه.

فليس التوكل هو قطع الإنسان أو نفيه نسبة الأمور إلى نفسه أو إلى الأسباب بل هو نفيه دعوى الاستقلال عن نفسه وعن الأسباب وإرجاع الاستقلال والأصالة إليه تعالى مع إبقاء أصل النسبة غير المستقلة التي إلى نفسه وإلى الأسباب.

ولذلك نرى أن يعقوب (عليه السلام) فيما تحكيه الآيات من توكله على الله لم يلغ الأسباب ولم يهملها بل تمسك بالأسباب العادية فكلم أولا بنيه في أخيهم ثم أخذ منهم موثقا من الله ثم توكل على الله وكذا فيما وصاهم في الآية الآتية بدخولهم من أبواب متفرقة ثم توكله على ربه تعالى.

فالله سبحانه على كل شيء وكيل من جهة الأمور التي لها نسبة إليها كما أنه ولي لها من جهة استقلاله بالقيام على الأمور المنسوبة إليها وهي عاجزة عن القيام بها بحول وقوة ، وأنه رب كل شيء من جهة أنه المالك المدبر لها.

ومعنى الآية:"قال"يعقوب لبنيه:"لن أرسله"أي أخاكم من أم يوسف"معكم حتى تؤتون"وتعطوني"موثقا من الله"أثق به وأعتمد عليه من عهد أو يمين"لتأتنني به"واللام للقسم ولما كان إيتاؤهم موثقا من الله إنما كان يمضي ويفيد فيما كان راجعا إلى استطاعتهم وقدرتهم استثنى فقال"إلا أن يحاط بكم"وتسلبوا الاستطاعة والقدرة"فلما آتوه موثقهم"من الله"قال"يعقوب"الله على ما نقول وكيل"أي إنا قاولنا جميعا فقلت وقلتم وتوسلنا بذلك إلى هذه الأسباب العادية للوصول إلى غرض نبتغيه فليكن الله سبحانه وكيلا على هذه الأقاويل يجريها على رسلها فمن التزم بشيء فليأت به كما التزم وإن تخلف فليجازه الله وينتصف منه.

قوله تعالى:"و قال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"إلى آخر الآية ، هذه كلمة ألقاها يعقوب (عليه السلام) إلى بنيه حين آتوه موثقا من الله وتجهزوا واستعدوا للرحيل ، ومن المعلوم من سياق القصة أنه خاف على بنيه وهم أحد عشر عصبة - لا من أن يراهم عزيز مصر مجتمعين صفا واحدا لأنه كان من المعلوم أنه سيشخصهم إليه فيصطفون عنده صفا واحدا وهم أحد عشر إخوة لأب واحد - بل إنما كان يخاف عليهم أن يراهم الناس فيصيبهم عين على ما قيل أو يحسدون أو يخاف منهم فينالهم ما يتفرق به جمعهم من قتل أو أي نازلة أخرى.

وقوله بعده:"و ما أغنى عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله"لا يخلو من دلالة أو إشعار بأنه كان يخاف ذلك جدا فكأنه (عليه السلام) - والله أعلم - أحس حينما تجهزوا للسفر واصطفوا أمامه للوداع إحساس إلهام أن جمعهم وهم على هذه الهيئة الحسنة سيفرق وينقص من عددهم فأمرهم أن لا يتظاهروا بالإجماع كذلك وحذرهم عن الدخول من باب واحد وعزم عليهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة رجاء أن يندفع بذلك عنهم بلاء التفرقة بينهم والنقص في عددهم.

ثم رجع إلى إطلاق كلامه الظاهر في كون هذا السبب الذي ركن إليه في دفع ما خطر بباله من المصيبة سببا أصيلا مستقلا - ولا مؤثر في الوجود بالحقيقة إلا الله سبحانه - فقيد كلامه بما يصلحه فقال مخاطبا لهم:"و ما أغنى عنكم من الله من شيء"ثم علله بقوله"إن الحكم إلا لله"أي لست أرفع حاجتكم إلى الله سبحانه بما أمرتكم به من السبب الذي تتقون به نزول النازلة وتتوسلون به إلى السلامة والعافية ولا أحكم بأن تحفظوا بهذه الحيلة فإن هذه الأسباب لا تغني من الله شيئا ولا لها حكم دون الله سبحانه فليس الحكم مطلقا إلا لله بل هذه أسباب ظاهريه إنما تؤثر إذا أراد الله لها أن تؤثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت