و لذلك عقب كلامه هذا بقوله:"عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون"أي إن هذا سبب أمرتكم باتخاذه لدفع ما أخافه عليكم من البلاء وتوكلت مع ذلك على الله في أخذ هذا السبب وفي سائر الأسباب التي أخذتها في أموري ، وعلى هذا المسير يجب أن يسير كل رشيد غير غوي يرى أنه لا يقوى باستقلاله لإدارة أموره ولا أن الأسباب العادية باستقلالها تقوى على إيصاله إلى ما يبتغيه من المقاصد بل عليه أن يلتجىء في أموره إلى وكيل يصلح شأنه ويدبر أمره أحسن تدبير فذلك الوكيل هو الله سبحانه القاهر الذي لا يقهره شيء الغالب الذي لا يغلبه شيء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وقد تبين بالآية أولا معنى التوكل وأنه تسليط الغير على أمر له نسبة إلى المتوكل والموكل.
وثانيا: أن هذه الأسباب العادية لما لم تكن مستقلة في تأثيرها ولا غنية في ذاتها غير مفتقرة إلى ما وراءها كان من الواجب على من يتوسل إليها في مقاصده الحيوية أن يتوكل مع التوسل إليها على سبب وراءها ليتم لها التأثير ويكون ذلك منه جريا في سبيل الرشد والصواب لا أن يهمل الأسباب التي بنى الله نظام الكون عليها فيطلب غاية من غير طريق فإنه من الغي والجهل.
وثالثا: أن ذاك السبب الذي يجب التوكل عليه في الأمور هو الله سبحانه وحده لا شريك له فإنه الله لا إله إلا هو رب كل شيء وهذا هو المستفاد من الحصر الذي يدل عليه قوله:"و على الله فليتوكل المتوكلون".
قوله تعالى:"و لما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها"إلى آخر الآية.
الذي يعطيه سياق الآيات السابقة واللاحقة والتدبر فيها - والله أعلم - أن يكون المراد بدخولهم من حيث أمرهم أبوهم أنهم دخلوا مصر أو دار العزيز فيها من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم حينما ودعوه للرحيل ، وإنما اتخذ يعقوب (عليه السلام) هذا الأمر وسيلة لدفع ما تفرسه من نزول مصيبة بهم تفرق جمعهم وتنقص من عددهم كما أشير إليه في الآية السابقة لكن اتخاذ هذه الوسيلة وهي الدخول من حيث أمرهم أبوهم لم يكن ليدفع عنهم البلاء وكان قضاء الله سبحانه ماضيا فيهم وأخذ العزيز أخاهم من أبيهم لحديث سرقة الصواع وانفصل منهم كبيرهم فبقي في مصر وأدى ذلك إلى تفرق جمعهم ونقص عددهم فلم يغن يعقوب أو الدخول من حيث أمرهم من الله من شيء.
لكن الله سبحانه قضى بذلك حاجة في نفس يعقوب (عليه السلام) فإنه جعل هذا السبب الذي تخلف عن أمره وأدى إلى تفرق جمعهم ونقص عددهم بعينه سببا لوصول يعقوب إلى يوسف (عليه السلام) فإن يوسف أخذ أخاه إليه ورجع سائر الإخوة إلا كبيرهم إلى أبيهم ثم عادوا إلى يوسف يسترحمونه ويتذللون لعزته فعرفهم نفسه وأشخص أباه وأهله إلى مصر فاتصلوا به.
فقوله:"ما كان يغني عنهم من الله من شيء"أي لم يكن من شأن يعقوب أو هذا الأمر الذي اتخذه وسيلة لتخلصهم من هذه المصيبة النازلة أن يغني عنهم من الله شيئا البتة ويدفع عنهم ما قضى الله أن يفارق اثنان منهم جمعهم بل أخذ منهم واحد وفارقهم ولزم أرض مصر آخر وهو كبيرهم.
وقوله:"إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها"قيل: إن"إلا"بمعنى لكن أي لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها الله فرد إليه ولده الذي فقده وهو يوسف.
ولا يبعد أن يكون"إلا"استثنائية فإن قوله:"ما كان يغني عنهم من الله من شيء"في معنى قولنا: لم ينفع هذا السبب يعقوب شيئا أو لم ينفعهم جميعا شيئا ولم يقض الله لهم جميعا به حاجة إلا حاجة في نفس يعقوب ، وقوله:"قضاها"استئناف وجواب سؤال كان سائلا يسأل فيقول: ما ذا فعل بها؟ فأجيب بقوله:"قضاها".
وقوله:"و إنه لذو علم لما علمناه"الضمير ليعقوب أي إن يعقوب لذو علم بسبب ما علمناه من العلم أو بسبب تعليمنا إياه وظاهر نسبة التعليم إليه تعالى أنه علم موهبي غير اكتسابي وقد تقدم أن إخلاص التوحيد يؤدي إلى مثل هذه العناية الإلهية ، ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى بعده:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"إذ لو كان من العلم الاكتسابي الذي يحكم بالأسباب الظاهرية ويتوصل إليه من الطرق العادية المألوفة لعلمه الناس واهتدوا إليه.