و من المعلوم من السياق أن أخا يوسف لأمه كان عالما بهذا الكيد مستحضرا منه ولذلك لم يتكلم من أول الأمر إلى آخره ولا بكلمة ولا نفى عن نفسه السرقة ولا اضطرب كيف؟ وقد عرفه يوسف أنه أخاه وسلاه وطيب نفسه فليس إلا أن يوسف (عليه السلام) كان عرفه ما هو غرضه من هذا الصنع ، وأنه إنما يريد بتسميته سارقا وإخراج السقاية من رحله أن يقبض عليه ويأخذه إليه فتسميته سارقا إنما كان اتهاما في نظر الإخوة وأما بالنسبة إليه وفي نظره فلم يكن تسمية جدية وتهمة حقيقة بل توصيفا صوريا فحسب لمصلحة لازمة جازمة.
فنسبه السرقة إليهم - بالنظر إلى هذه الجهات - لم تكن من الافتراء المذموم عقلا المحرم شرعا ، على أن القائل هو المؤذن الذي أذن بذلك.
وذكر بعض المفسرين: أن القائل:"إنكم لسارقون."
بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غيره أمره ولم يعلم أن يوسف أمر بجعل الصاع في رحالهم.
وقال بعضهم: إن يوسف (عليه السلام) أمر المنادي أن ينادي به ولم يرد به سرقة الصاع ، وإنما عنى به أنكم سرقتم يوسف من أبيه وألقيتموه في الجب ، ونسب ذلك إلى أبي مسلم المفسر.
وقال بعضهم: إن الجملة استفهامية ، والتقدير: أ إنكم لسارقون؟ بحذف همزة الاستفهام ، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من البعد.
قوله تعالى:"قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون"الفقد - كما قيل - غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه ، والضمير في قوله:"قالوا"للإخوة وهم العير ، وقوله:"ما ذا تفقدون"مقول القول والضمير في قوله:"عليهم"ليوسف وفتيانه كما يدل عليه السياق.
والمعنى قال إخوة يوسف المقبلين ليوسف وفتيانه: ما ذا تفقدون؟ وفي السياق دلالة على أن المنادي إنما ناداهم من ورائهم وقد أخذوا في السير.
قوله تعالى:"قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم"الصواع بالضم السقاية وقيل: إن الصواع هو الصاع الذي يكال به ، وكان صواع الملك إناء يشرب فيه ويكال به ولذلك سمي تارة سقاية وأخرى صواعا ، ويجوز فيه التذكير والتأنيث ، ولذلك قال:"و لمن جاء به"وقال:"ثم استخرجها".
والحمل ما يحمله الحامل من الأثقال ، وقد ذكر الراغب أن الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر تختص باسم الحمل بكسر الحاء ، والأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة تختص باسم الحمل بفتح الحاء.
وقال في المجمع ،: الزعيم والكفيل والضمين نظائر والزعيم أيضا القائم بأمر القوم وهو الرئيس.
ولعل القائل:"نفقد صواع الملك"هو فتيان يوسف والقائل:"و لمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم"يوسف (عليه السلام) نفسه لأنه هو الرئيس الذي يقوم بأمر الإعطاء والمنع والضمانة والكفالة والحكم ، ويعود معنى الكلام على هذا إلى نحو من قولنا: أجاب عنهم يوسف وفتيانه أما فتيانه فقالوا: نفقد صواع الملك ، وأما يوسف فقال: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ، وهذه جعالة.
وظاهر بعض المفسرين: أن قوله:"و لمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم"تتمة قول المؤذن:"أيتها العير إنكم لسارقون"وعلى هذا فقوله:"قالوا وأقبلوا عليهم - إلى قوله - صواع الملك"معترض.
قوله تعالى:"قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين"المراد بالأرض أرض مصر وهي التي جاءوها ومعنى الآية ظاهر.
وفي قولهم:"لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض"دلالة على أنهم فتشوا وحقق في أمرهم أول ما دخلوا مصر للميرة بأمر يوسف (عليه السلام) بدعوى الخوف من أن يكونوا جواسيس وعيونا أو نازلين بها لأغراض فاسدة أخرى فسألوا عن شأنهم ومحلهم ونسبهم وأمثال ذلك ، وبه يتأيد ما ورد في بعض الروايات أن يوسف أظهر لهم أنه في ريب من أمرهم فسألهم عن شأنهم ومكانهم وأهلهم وعند ذلك ذكروا أن لهم أبا شائخا وأخا من أبيهم فأمر بإتيانهم به ، وسيأتي في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
وقولهم:"و ما كنا سارقين"نفي أن يكونوا متصفين بهذه الصفة الرذيلة من قبل أو يعهد منهم أهل البيت ذلك.
قوله تعالى:"قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين"أي قال فتيان يوسف أو هو وفتيانه سائلين منهم عن الجزاء: ما جزاء السرق أو ما جزاء الذي سرق منكم إن كنتم كاذبين في إنكاركم.