فهرس الكتاب

الصفحة 2319 من 4314

و الكلام في قولهم:"إن كنتم كاذبين"في نسبة الكذب إليهم يقرب من الكلام في قولهم:"إنكم لسارقون"وقد تقدم.

قوله تعالى:"قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين"مرادهم أن جزاء السرق نفس السارق أو جزاء السارق نفسه بمعنى أن من سرق مالا يصير عبدا لمن سرق ماله وهكذا كان حكمه في سنة يعقوب (عليه السلام) كما يدل عليه قولهم:"كذلك نجزي الظالمين"أي هؤلاء الظالمين وهم السراق لكنهم عدلوا عنه إلى قولهم:"جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه"للدلالة على أن السرقة إنما يجازى بها نفس السارق لا رفقته وصحبه وهم أحد عشر نسمة لا ينبغي أن يؤاخذ منهم لو تحققت السرقة إلا السارق بعينه من غير أن يتعدى إلى نفوس الآخرين ورحالهم ثم للمسروق منه أن يملك السارق نفسه يفعل به ما يشاء.

قوله تعالى:"فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه"فيه تفريع على ما تقدم أي أخذ بالتفتيش والفحص بالبناء على ما ذكروه من الجزاء فبدأ بأوعيتهم وظروفهم قبل وعاء أخيه للتعمية عليهم حذرا من أن يتنبهوا ويتفطنوا أنه هو الذي وضعها في رحل أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه وعند ذلك استقر الجزاء عليه لكونها في رحله.

قوله تعالى:"كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله"إلى آخر الآية.

الإشارة إلى ما جرى من الأمر في طريق أخذ يوسف (عليه السلام) أخاه لأمه من عصبة إخوته ، وقد كان كيدا لأنه يوصل إلى ما يطلبه منهم من غير أن يعلموا ويتفطنوا به ولو علموا لما رضوا به ولا مكنوه منه ، وهذا هو الكيد غير أنه كان بإلهام من الله سبحانه أو وحي منه إليه علمه به طريق التوصل إلى أخذ أخيه.

ولذلك نسب الله سبحانه ذلك إلى نفسه مع توصيفه بالكيد فقال:"كذلك كدنا ليوسف".

وليس كل كيد بمنفي عنه تعالى وإنما تتنزه ساحة قدسه عن الكيد الذي هو ظلم ونظيره المكر والإضلال والاستدراج وغيرها.

وقوله:"ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله"بيان للسبب الداعي إلى الكيد ، وهو أنه كان يريد أن يأخذ أخاه إليه ، ولم يكن في دين الملك أي سنته الجارية في أرض مصر طريق يؤدي إلى أخذه ، ولا أن السرقة حكمها استعباد السارق ولذلك كادهم يوسف - بأمر من الله - بجعل السقاية في رحله ثم إعلام أنهم سارقون حتى ينكروه فيسألهم عن جزائه إن كانوا كاذبين فيخبروا أن جزاء السرق عندهم أخذ السارق واستعباده فيأخذهم بما رضوا به لأنفسهم.

وعلى هذا فلم يكن له أن يأخذ أخاه في دين الملك إلا في حال يشاء الله ذلك وهو هذا الحال الذي رضوا فيه أن يجازوا بما رضوا به لأنفسهم.

ومن هنا يظهر أن الاستثناء يفيد أنه كان من دين الملك أن يؤخذ المجرم بما يرضاه لنفسه من الجزاء وهو أشق ، وكان ذلك متداولا في كثير من السنن القومية وسياسات الملوك.

وقوله:"نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم"امتنان على يوسف (عليه السلام) بما رفعه الله على إخوته ، وبيان لقوله:"كذلك كدنا ليوسف"وكان امتنانا عليه.

وفي قوله:"و فوق كل ذي علم عليم"بيان أن العلم من الأمور التي لا يقف على حد ينتهي إليه بل كل ذي علم يمكن أن يفرض من هو أعلم منه.

وينبغي أن يعلم أن ظاهر قوله:"ذي علم"هو العلم الطارىء على العالم الزائد على ذاته لما في لفظة"ذي"من الدلالة على المصاحبة والمقارنة فالله سبحانه وعلمه الذي هو صفة ذاته عين ذاته ، وهو تعالى علم غير محدود كما أن وجوده أحدي غير محدود ، خارج بذاته عن إطلاق الكلام.

على أن الجملة"و فوق كل ذي علم عليم"إنما تصدق فيما أمكن هناك فرض"فوق"والله سبحانه لا فوق له ولا تحت له ولا وراء لوجوده ولا حد لذاته ولا نهاية.

ولا يبعد أن يكون قوله:"و فوق كل ذي علم عليم"إشارة إلى كونه تعالى فوق كل ذي علم بأن يكون المراد بعليم هو الله سبحانه أورد في هيئة النكرة صونا للسان عن تعريفه للتعظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت