فهرس الكتاب

الصفحة 2320 من 4314

قوله تعالى:"قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل"إلى آخر الآية ، القائلون هم إخوة يوسف (عليه السلام) لأبيه ، ولذلك نسبوا يوسف إلى أخيهم المتهم بالسرقة لأنهما كانا من أم واحدة ، والمعنى أنهم قالوا: إن يسرق هذا صواع الملك فليس ببعيد منه لأنه كان له أخ وقد تحققت السرقة منه من قبل فهما يتوارثان ذلك من ناحية أمهما ونحن مفارقوهما في الأم.

وفي هذا نوع تبرئة لأنفسهم من السرقة لكنه لا يخلو من تكذيب لما قالوه آنفا:"و ما كنا سارقين"لأنهم كانوا ينفون به السرقة عن أبناء يعقوب جميعا وإلا لم يكن ينفعهم البتة فقولهم:"فقد سرق أخ له من قبل"يناقضه وهو ظاهر.

على أنهم أظهروا بهذه الكلمة ما في نفوسهم من الحسد ليوسف وأخيه - ولعلهم لم يشعروا به - وهذا يكشف عن أمور مؤسفة كثيرة فيما بينهم.

وبهذا يتضح بعض الاتضاح معنى قول يوسف:"أنتم شر مكانا"كما أن الظاهر أن قوله:"أنتم شر مكانا"إلى آخر الآية كالبيان لقوله:"فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم"وكما أن قوله:"و لم يبدها لهم"عطف تفسير لقوله:"فأسرها يوسف في نفسه".

والمعنى - والله أعلم -"فأسرها"أي أخفى هذه الكلمة التي قالوها أي لم يتعرض لما نسبوا إليه من السرقة ولم ينفه ولم يبين حقيقة الحال بل"أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم"وكان هناك قائلا يقول: كيف أسرها في نفسه فأجيب أنه"قال: أنتم شر مكانا"وأسوأ حالا لما في أقوالكم من التناقض وفي نفوسكم من غريزة الحسد الظاهرة واجترائكم على الكذب في حضرة العزيز بعد هذا الإكرام والإحسان كله"و الله أعلم بما تصفون"إنه قد سرق أخ له من قبل فلم يكذبهم في وصفهم ولم ينفه.

وذكر بعض المفسرين أن معنى قوله:"أنتم شر مكانا"إلخ: أنكم أسوأ حالا منه لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم والله أعلم أ سرق أخ له من قبل أم لا.

وفيه: أن من الجائز أن يكون هذا المعنى بعض ما قصده يوسف بقوله:"أنتم شر مكانا"لكن الكلام فيما تلقاه إخوته من قوله هذا والظرف هذا الظرف هم ينكرون يوسف (عليه السلام) وهو لا يريد أن يعرفهم نفسه ، ولا ينطبق قوله في مثل هذا الظرف إلا بما تقدم.

وربما ذكر بعضهم أن التي أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم هي كلمته:"أنتم شر مكانا"فلم يخاطبهم بها ثم جهر بقوله:"و الله أعلم بما تصفون"وهذا بعيد غير مستفاد من السياق.

قوله تعالى:"قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين"سياق الآيات يدل على أنهم إنما قالوا هذا القول لما شاهدوا أنه استحق الأخذ والاستعباد ، وذكروا أنهم أعطوا أباهم موثقا من الله أن يرجعوه إليه فلم يكن في مقدرتهم أن يرجعوا إلى أبيهم ولا يكون معهم ، فعند ذلك عزموا أن يفدوه بواحد منهم إن قبل العزيز ، وكلموا العزيز في ذلك أن يأخذ أي من شاء منهم ، ويخلي عن سبيل أخيهم المتهم ليرجعوه إلى أبيه.

ومعنى الآية ظاهر ، وفي اللفظ ترقيق واسترحام وإثارة لصفة الفتوة والإحسان من العزيز.

قوله تعالى:"قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون"رد منه (عليه السلام) لسؤالهم أن يأخذ أحدهم مكانه ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا"إلى آخر الآية قال في المجمع ،: اليأس قطع الطمع من الأمر يقال يئس ييأس وأيس يأيس لغة ، واستفعل مثل استيأس واستأيس.

قال: ويئس واستيأس بمعنى مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب.

والنجي القوم يتناجون الواحد والجمع فيه سواء قال سبحانه:"و قربناه نجيا"وإنما جاز ذلك لأنه مصدر وصف به ، والمناجاة المسارة وأصله من النجوة هو المرتفع من الأرض فإنه رفع السر من كل واحد إلى صاحبه في خفية ، والنجوى يكون اسما ومصدرا قال سبحانه:"و إذ هم نجوى"أي يتناجون ، وقال في المصدر:"إنما النجوى من الشيطان"وجمع النجي أنجية قال: وبرح الرجل براحا إذا تنحى عن موضعه.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت