بل هو رجاء لثمرة الصبر فهو يقول: إن واقعة يوسف السابقة وهذه الواقعة التي أخذت مني ابنين آخرين إنما هما لأمر ما سولته لكم أنفسكم فسأصبر صبرا وأرجو به أن يأتيني الله بأبنائي جميعا ويتم نعمته على آل يعقوب كما وعدنيه أنه هو العليم بمورد الاجتباء وإتمام النعمة حكيم في فعله يقدر الأمور على ما تقتضيه الحكمة البالغة فلا ينبغي للإنسان أن يضطرب عند البلايا والمحن بالطيش والجزع ولا أن ييأس من روحه ورحمته.
والاسمان: العليم الحكيم هما اللذان ذكرهما يعقوب ليوسف (عليهما السلام) لأول مرة أول رؤياه فقال:"إن ربك عليم حكيم"ثم ذكرهما يوسف ليعقوب (عليهما السلام) ثانيا حيث رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فقال:"يا أبت هذا تأويل رؤياي - إلى أن قال - هو العليم الحكيم".
قوله تعالى:"و تولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم"قال الراغب في المفردات ،: الأسف الحزن والغضب معا ، وقد يقال لكل واحد منهما على الانفراد وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا - إلى أن قال - وقوله تعالى:"فلما آسفونا انتقمنا منهم"أي أغضبونا قال أبو عبد الله الرضا: إن الله لا يأسف كأسفنا ولكن له أولياء يأسفون ويرضون فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه. قال: وعلى ذلك قال: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة.
انتهى.
وقال: الكظم مخرج النفس يقال: أخذ بكظمه ، والكظوم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت كقولهم: فلان لا يتنفس إذا وصف بالمبالغة في السكوت ، وكظم فلان حبس نفسه قال تعالى:"إذ نادى وهو مكظوم"وكظم الغيظ حبسه قال تعالى:"و الكاظمين الغيظ"، ومنه كظم البعير إذا ترك الاجترار وكظم السقاء شده بعد ملئه مانعا لنفسه.
انتهى.
وقوله:"و ابيضت عيناه من الحزن"ابيضاض العين أي سوادها هو العمى وبطلان الإبصار وربما يجامع قليل إبصار لكن قوله الآتي:"اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا": الآية 93 من السورة يشهد بأنه كناية عن ذهاب البصر.
ومعنى الآية:"ثم تولى"وأعرض يعقوب (عليه السلام) "عنهم"أي عن أبنائه بعد ما خاطبهم بقوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا"و قال: يا أسفى"ويا حزني"على يوسف وابيضت عيناه"وذهب بصره"من الحزن"على يوسف"فهو كظيم"حابس غيظه متجرع حزنه لا يتعرض لبنيه بشيء.
قوله تعالى:"قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين"الحرض والحارض المشرف على الهلاك وقيل: هو الذي لا ميت فينسى ولا حي فيرجي ، والمعنى الأول أنسب بالنظر إلى مقابلته الهلاك ، والحرض لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر.
والمعنى: نقسم بالله لا تزال تذكر يوسف وتديم ذكره منذ سنين لا تكف عنه حتى تشرف على الهلاك أو تهلك ، وظاهر قولهم هذا أنهم إنما قالوه رقة بحاله ورأفة به ، ولعلهم إنما تفوهوا به تبرما ببكائه وسأمة من طول نياحه ليوسف ، وخاصة من جهة أنه كان يكذبهم في ما كانوا يدعونه من أمر يوسف ، وكان ظاهر بكائه وتأسفه أنه يشكوهم كما ربما يؤيده قوله:"إنما أشكوا"إلخ.
قوله تعالى:"قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون"قال في المجمع ،: البث الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه أي يفرقه ، وكل شيء فرقته فقد بثثته ومنه قوله:"و بث فيها من كل دابة"انتهى فهو من المصدر بمعنى المفعول أي المبثوث.
والحصر الذي في قوله:"إنما أشكوا"إلخ ، من قصر القلب فيكون مفاده أني لست أشكو بثي وحزني إليكم معاشر ولدي وأهلي ، ولو كنت أشكوه إليكم لانقطع في أقل زمان كما يجري عليه دأب الناس في بثهم وحزنهم عند المصائب ، وإنما أشكو بثي وحزني إلى الله سبحانه ، ولا يأخذه ملل ولا سأمة فيما يسأله عنه عباده ويبرمه أرباب الحوائج ويلحون عليه وأعلم من الله ما لا تعلمون فلست أيأس من روحه ولا أقنط من رحمته.
وفي قوله:"و أعلم من الله ما لا تعلمون"إشارة إجمالية إلى علمه بالله لا يستفاد منه إلا ما يساعد على فهمه المقام كما أشرنا إليه.