قوله تعالى:"يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"قال في المجمع ،: التحسس - بالحاء - طلب الشيء بالحاسة والتجسس - بالجيم - نظيره وفي الحديث: لا تحسسوا ولا تجسسوا ، وقيل إن معناهما واحد ونسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين كقول الشاعر"متى ادن منه ينأى عنه ويبعد".
وقيل: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس ، وبالحاء الاستماع لحديث قوم وسئل ابن عباس عن الفرق بينهما؟ قال: لا يبعد أحدهما عن الآخر: التحسس في الخير والتجسس في الشر.
انتهى.
وقوله:"و لا تيئسوا من روح الله"الروح بالفتح فالسكون النفس أو النفس الطيب ويكنى به عن الحالة التي هي ضد التعب وهي الراحة وذلك أن الشدة التي فيها انقطاع الأسباب وانسداد طرق النجاة تتصور اختناقا وكظما للإنسان وبالمقابلة الخروج إلى فسحة الفرج والظفر بالعافية تنفسا وروحا لقولهم يفرج الهم وينفس الكرب فالروح المنسوب إليه تعالى هو الفرج بعد الشدة بإذن الله ومشيته ، وعلى من يؤمن بالله أن يعتقد أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا قاهر لمشيته ولا معقب لحكمه ، وليس له أن ييأس من روح الله ويقنط من رحمته فإنه تحديد لقدرته وفي معنى الكفر بإحاطته وسعة رحمته كما قال تعالى حاكيا عن لسان يعقوب (عليه السلام) :"أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"وقال حاكيا عن لسان إبراهيم (عليه السلام) :"و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون": الحجر: 56 ، وقد عد اليأس من روح الله في الأخبار المأثورة من الكبائر الموبقة.
ومعنى الآية - ثم قال يعقوب لبنيه آمرا لهم -"يا بني اذهبوا فتحسسوا"من يوسف وأخيه" الذي أخذ بمصر وابحثوا عنهما لعلكم تظفرون بهما"و لا تيئسوا من روح الله"والفرج الذي يرزقه الله بعد الشدة"أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"الذين لا يؤمنون بأن الله يقدر أن يكشف كل غمة وينفس عن كل كربة."
قوله تعالى:"فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة"إلخ ، البضاعة المزجاة المتاع القليل ، وفي الكلام حذف والتقدير فساروا بني يعقوب إلى مصر ولما دخلوا على يوسف قالوا"إلخ".
كانت لهم - على ما يدل عليه السياق - حاجتان إلى العزيز ولا مطمع لهم بحسب ظاهر الأسباب إلى قضائهما واستجابته عليهم فيهما.
إحداهما: أن يبيع منهم الطعام ولا ثمن عندهم يفي بما يريدونه من الطعام على أنهم عرفوا بالكذب وسجل عليهم السرقة من قبل وهان أمرهم على العزيز لا يرجى منه أن يكرمهم بما كان يكرمهم به في الجيئة الأولى.
وثانيتهما: أن يخلي عن سبيل أخيهم المأخوذ بالسرقة ، وقد استيأسوا منه بعد ما كانوا ألحوا عليه فأبى العزيز حتى عن تخلية سبيله بأخذ أحدهم مكانه.
ولذلك لما حضروا عند يوسف العزيز وكلموه وهم يريدون أخذ الطعام وإعتاق أخيهم أوقفوا أنفسهم موقف التذلل والخضوع وبالغوا في رقة الكلام استرحاما واستعطافا فذكروا أولا ما مسهم وأهلهم من الضر وسوء الحال ثم ذكروا قلة ما أتوا به من البضاعة ثم سألوه إيفاء الكيل ، وأما حديث أخيهم المأخوذ فلم يصرحوا بسؤال تخلية سبيله بل سألوه أن يتصدق عليهم وإنما يتصدق بالمال والطعام مال وأخوهم المسترق مال العزيز ظاهرا ثم حرضوه بقولهم:"إن الله يجزي المتصدقين"وهو في معنى الدعاء.
فمعنى الآية:"يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر"وأحاط بنا جميعا المضيقة وسوء الحال"و جئنا"إليك"ببضاعة مزجاة"ومتاع قليل لا يعدل ما نسألك من الطعام غير أنه نهاية ما في وسعنا"فأوف لنا الكيل وتصدق علينا"وكأنهم يريدون به أخاهم أو إياه والطعام"إن الله يجزي المتصدقين"خيرا.
وقد بدءوا القول بخطاب"يا أيها العزيز"وختموه بما في معنى الدعاء وأتوا خلاله بذكر سوء حالهم والاعتراف بقلة بضاعتهم وسؤاله أن يتصدق عليهم وهو من أمر السؤال والموقف موقف الاسترحام ممن لا يستحق ذلك لسوء سابقته ، وهم عصبة قد اصطفوا أمام عزيز مصر.