و عند ذلك تمت الكلمة الإلهية أنه سيرفع يوسف وأخاه ويضع عنده سائر بني يعقوب لظلمهم ، ولذلك لم يلبث يوسف (عليه السلام) دون أن أجابهم بقوله:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه"وعرفهم نفسه ، وقد كان يمكنه (عليه السلام) أن يخبر أباه وإخوته مكانه وأنه بمصر طول هذه المدة غير القصيرة لكن الله سبحانه شاء أن يوقف إخوته أمامه ومعه أخوه المحسود موقف المذلة والمسكنة وهو متك على أريكة العزة.
قوله تعالى:"قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون"إنما يخاطب المخطىء المجرم بمثل هل علمت وأ تدري وأ رأيت ونحوها وهو عالم بما فعل لتذكيره جزاء عمله ووبال ذنبه لكنه (عليه السلام) أعقب استفهامه بقوله:"إذ أنتم جاهلون"وفيه تلقين عذر.
فقوله:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه"مجرد تذكير لعملهم بهما من غير توبيخ ومؤاخذة ليعرفهم من الله عليه وعلى أخيه وهذا من عجيب فتوة يوسف (عليه السلام) ، ويا لها من فتوة.
قوله تعالى:"قالوا ء إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا"إلى آخر الآية تأكيد الجملة المستفهم عنها للدلالة على أن الشواهد القطعية قامت على تحقق مضمونها وإنما يستفهم لمجرد الاعتراف فحسب.
وقد قامت الشواهد عندهم على كون العزيز هو أخاهم يوسف ولذلك سألوه بقولهم:"ء إنك لأنت يوسف"مؤكدا بإن واللام وضمير الفصل فأجابهم بقوله:"أنا يوسف وهذا أخي"وإنما ألحق أخاه بنفسه ولم يسألوا عنه وما كانوا يجهلونه ليخبر عن من الله عليهما ، وهما معا المحسودان ولذا قال:"قد من الله علينا".
ثم أخبر عن سبب المن الإلهي بحسب ظاهر الأسباب فقال:"إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"وفيه دعوتهم إلى الإحسان وبيان أنه يتحقق بالتقوى والصبر.
قوله تعالى:"قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين"الإيثار هو الاختيار والتفضيل ، والخطأ ضد الصواب والخاطىء والمخطىء من خطأ خطأ وأخطأ إخطاء بمعنى واحد ، ومعنى الآية ظاهر وفيها اعترافهم بالخطإ وتفضيل الله يوسف عليهم.
قوله تعالى:"قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"التثريب التوبيخ والمبالغة في اللوم وتعديد الذنوب ، وإنما قيد نفي التثريب باليوم ليدل على مكانة صفحه وإغماضه عن الانتقام منهم والظرف هذا الظرف هو عزيز مصر أوتي النبوة والحكم وعلم الأحاديث ومعه أخوه وهم أذلاء بين يديه معترفون بالخطيئة وإن الله آثره عليهم بالرغم من قولهم أول يوم:"ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين".
ثم دعا لهم واستغفر بقوله:"يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"وهذا دعاء واستغفار منه لإخوته الذين ظلموه جميعا وإن كان الحاضرون عنده اليوم بعضهم لا جميعهم كما يستفاد من قوله تعالى الآتي:"قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم"وسيجيء إن شاء الله تعالى.