قوله تعالى:"قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم"القديم مقابل الجديد والمراد به المتقدم وجودا ، وهذا ما واجهه به بعض بنيه الحاضرين عنده ، وهو من سيء حظهم في هذه القصة تفوهوا بمثله في بدء القصة إذ قالوا:"إن أبانا لفي ضلال مبين"وفي ختمها وهو قولهم هذا:"تالله إنك لفي ضلالك القديم".
والظاهر أن مرادهم بالضلال هاهنا هو مرادهم بالضلال هناك وهو المبالغة في حب يوسف وذلك أنهم كانوا يرون أنهم أحق بالحب من يوسف وهم عصبة إليهم تدبير بيته والدفاع عنه لكن أباهم قد ضل عن مستوى طريق الحكمة وقدم عليهم في الحب طفلين صغيرين لا يغنيان عنه شيئا فأقبل بكله إليهما ونسيهم ، ثم لما فقد يوسف جزع له ولم يزل يجزع ويبكي حتى ذهبت عيناه وتقوس ظهره.
فهذا هو مرادهم من كونه في ضلاله القديم ليسوا يعنون به الضلال في الدين حتى يصيروا بذلك كافرين: .
أما أولا: فلأن ما ذكر من فصول كلامهم في خلال القصة يشهد على أنهم كانوا موحدين على دين آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهما السلام) .
وأما ثانيا: فلأن المقام هاهنا وكذا في بدء القصة حين قالوا: إن أبانا لفي ضلال مبين"لا مساس له بالضلال في الدين حتى يحتمل رميهم أباهم فيه ، وإنما يمس أمرا عمليا حيويا وهو حب أب لبعض أولاده وتقديمه في الكرامة على آخرين فهو المعنى بالضلال."
قوله تعالى:"فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال أ لم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون"البشير حامل البشارة وكان حامل القميص وقوله"أ لم أقل لكم إني أعلم"يشير (عليه السلام) إلى قوله لهم حين لاموه على ذكر يوسف:"إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون"، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين"القائلون بنو يعقوب بدليل قولهم:"يا أبانا"ويريدون بالذنوب ما فعلوه به في أمر يوسف وأخيه ، وأما يوسف فقد كان استغفر لهم قبل.
قوله تعالى:"قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم"أخر (عليه السلام) الاستغفار لهم كما هو مدلول قوله:"سوف أستغفر لكم ربي"ولعله إنما أخره ليتم له النعمة بلقاء يوسف وتطيب نفسه به كل الطيب بنسيان جميع آثار الفراق ثم يستغفر لهم وفي بعض الأخبار: أنه أخره إلى وقت يستجاب فيه الدعاء وسيجيء إن شاء الله.
قوله تعالى:"فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"في الكلام حذف والتقدير فخرج يعقوب وآله من أرضهم وساروا إلى مصر ولما دخلوا"إلخ".
وقوله:"آوى إليه أبويه"فسروه بضمهما إليه ، وقوله:"و قال ادخلوا مصر إلخ."
ظاهر في أن يوسف خرج من مصر لاستقبالهما وضمهما إليه هناك ثم عرض لهما دخول مصر إكراما وتأدبا وقد أبدع (عليه السلام) في قوله:"إن شاء الله آمنين"حيث أعطاهم الأمن وأصدر لهم حكمه على سنة الملوك وقيد ذلك بمشية الله سبحانه للدلالة على أن المشية الإنسانية لا تؤثر أثرها كسائر الأسباب إلا إذا وافقت المشية الإلهية على ما هو مقتضى التوحيد الخالص ، وظاهر هذا السياق أنه لم يكن لهم الدخول والاستقرار في مصر إلا بجواز من ناحية الملك ، ولذا أعطاهم الأمن في مبتدإ الأمر.
وقد ذكر سبحانه"أبويه"والمفسرون مختلفون في أنهما كانا والديه أباه وأمه حقيقة أو أنهما يعقوب وزوجه خالة يوسف بالبناء على أن أمه ماتت وهو صغير ، ولا يوجد في كلامه تعالى ما يؤيد أحد المحتملين غير أن الظاهر من الأبوين هما الحقيقيان.
ومعنى الآية"فلما دخلوا"أي أبواه وإخوته وأهلهم"على يوسف"وذلك في خارج مصر"آوى"وضم"إليه أبويه وقال"لهم مؤمنا لهم"ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".
قوله تعالى:"و رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي"إلى آخر الآية ، العرش هو السرير العالي ويكثر استعماله فيما يجلس عليه الملك ويختص به ، والخرور السقوط على الأرض والبدو البادية فإن يعقوب كان يسكن البادية.