و قوله:"و رفع أبويه على العرش"أي رفع يوسف أبويه على عرش الملك الذي كان يجلس عليه ومقتضى الاعتبار وظاهر السياق أنهما رفعا على العرش بأمر من يوسف تصداه خدمه لا هو بنفسه كما يشعر به قوله:"و خروا له سجدا"فإن الظاهر أن السجدة إنما وقعت لأول ما طلع عليهم يوسف فكأنهم دخلوا البيت واطمأن بهم المجلس ثم دخل عليهم يوسف فغشيهم النور الإلهي المتلألىء من جماله البديع فلم يملكوا أنفسهم دون أن خروا له سجدا.
وقوله:"و خروا له سجدا"الضمير ليوسف كما يعطيه السياق فهو المسجود له ، وقول بعضهم: إن الضمير لله سبحانه نظرا إلى عدم جواز السجود لغير الله لا دليل عليه من جهة اللفظ ، وقد وقع نظيره في القرآن الكريم في قصة آدم والملائكة قال تعالى:"و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس:"طه: 116.
والدليل على أنها لم تكن منهم سجدة عبادة ليوسف أن بين هؤلاء الساجدين يعقوب (عليه السلام) وهو ممن نص القرآن الكريم على كونه مخلصا - بالفتح - لله لا يشرك به شيئا ، ويوسف (عليه السلام) - وهو المسجود له - منهم بنص القرآن وهو القائل لصاحبيه في السجن: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ولم يردعهم.
فليس إلا أنهم إنما أخذوا يوسف آية لله فاتخذوه قبلة في سجدتهم وعبدوا الله بها لا غير كالكعبة التي تؤخذ قبلة فيصلي إليها فيعبد بها الله دون الكعبة ، ومن المعلوم أن الآية من حيث إنها آية لا نفسية لها أصلا فليس المعبود عندها إلا الله سبحانه وتعالى ، وقد تكرر الكلام في هذا المعنى فيما تقدم من أجزاء الكتاب.
ومن هنا يظهر أن ما ذكروه في توجيه الآية كقول بعضهم: إن تحية الناس يومئذ كانت هي السجدة كما أنها في الإسلام السلام ، وقول بعضهم: إن سنة العظيم كانت إذ ذاك السجدة ولم ينه عنها لغير الله بعد كما في الإسلام ، وقول بعضهم: كان سجودهم كهيئة الركوع كما يفعله الأعاجم كل ذلك غير وجيه.
قوله تعالى:"قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا"إلى آخر الآية لما شاهد (عليه السلام) سجدة أبويه وإخوته الأحد عشر ذكر الرؤيا التي رأى فيها أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين وأخبر بها أباه وهو صغير فأولها له ، فأشار إلى سجودهم له وقال:"يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها - أي الرؤيا - ربي حقا".
ثم أثنى على ربه شاكرا له فقال:"و قد أحسن بي إذ أخرجني من السجن"فذكر إحسان ربه به في إخراجه من السجن وهو ضراء وبلاء دفعه الله عنه بتبديله سراء ونعمة من حيث لا يحتسب حيث جعله وسيلة لنيله العزة والملك.
ولم يذكر إخراجه من الجب قبل ذلك لحضور إخوته عنده وكان لا يريد أن يذكر ما يسوؤهم ذكره كرما وفتوة بل أشار إلى ذلك بأحسن لفظ يمكن أن يشار به إليه من غير أن يتضمن طعنا فيهم وشنآنا فقال:"و جاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي"والنزغ هو الدخول في أمر لإفساده.
والمراد: وقد أحسن بي من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي فكان من الأمر ما كان فأدى ذلك إلى فراق بيني وبينكم فساقني ربي إلى مصر فأقرني في أرغد عيش وأرفع عزة وملك ثم قرب بيننا بنقلكم من البادية إلي في دار المدنية والحضارة.
يعني أنه كانت نوائب نزلت بي إثر إفساد الشيطان بيني وبين إخوتي ومما أخصه بالذكر من بينها فراق بيني وبينكم ثم رزية السجن فأحسن بي ربي ودفعها عني واحدة بعد أخرى ولم يكن من المحن والحوادث العادية بل رزايا صماء وعقودا لا تنحل لكن ربي نفذ فيها بلطفه ونفوذ قدرته فبدلها أسباب حياة ونعمة بعد ما كانت أسباب هلاك وشقاء ولهذه الثلاثة الأخيرة عقب قوله:"و قد أحسن بي"إلخ بقوله:"إن ربي لطيف لما يشاء".
فقوله:"إن ربي لطيف لما يشاء"تعليل لإخراجه من السجن ومجيئهم من البدو ، ويشير به إلى ما خصه الله به من العناية والمنة وإن البلايا التي أحاطت به لم تكن لتنحل عقدتها أو لتنحرف عن مجراها لكن الله لطيف لما يشاء نفذ فيها فجعل عوامل الشدة عوامل رخاء وراحة وأسباب الذلة والرقية وسائل عزة وملك.