فهرس الكتاب

الصفحة 2332 من 4314

و اللطيف من أسمائه تعالى يدل على حضوره وإحاطته تعالى بما لا سبيل إلى الحضور فيه والإحاطة به من باطن الأشياء وهو من فروع إحاطته تعالى بنفوذ القدرة والعلم قال تعالى:"أ لا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير": الملك: 14 والأصل في معناه الصغر والدقة والنفوذ يقال: لطف الشيء بالضم يلطف لطافة إذا صغر ودق حتى نفذ في المجاري والثقب الصغار ، ويكنى به عن الإرفاق والملاءمة والاسم اللطف.

وقوله:"هو العليم الحكيم"تعليل لجميع ما تقدم من قوله:"يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا"إلخ ، وقد علل (عليه السلام) الكلام وختمه بهذين الاسمين محاذاة لأبيه حيث تكلم في رؤياه وقال:"و كذلك يجتبيك ربك - إلى أن قال - إن ربك عليم حكيم"وليس يبعد أن يفيد اللام في قوله:"العليم الحكيم"معنى العهد فيفيد تصديقه لقول أبيه (عليه السلام) والمعنى: وهو ذاك العليم الحكيم الذي وصفته لي يوم أولت رؤياي.

قوله تعالى:"رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث"إلى آخر الآية لما أثنى (عليه السلام) على ربه وعد ما دفع عنه من الشدائد والنوائب أراد أن يذكر ما خصه به من النعم المثبتة وقد هاجت به المحبة الإلهية وانقطع بها عن غيره تعالى فترك خطاب أبيه وانصرف عنه وعن غيره ملتفتا إلى ربه وخاطب ربه عز اسمه فقال:"رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث".

وقوله:"فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة"إضراب وترق في الثناء ، ورجوع منه (عليه السلام) إلى ذكر أصل الولاية الإلهية بعد ما ذكر بعض مظاهرها الجلية كإخراجه من السجن والمجيء بأهله من البدو وإيتائه من الملك وتعليمه من تأويل الأحاديث فإن الله سبحانه رب فيما دق وجل معا ، ولي في الدنيا والآخرة جميعا.

وولايته تعالى أعني كونه قائما كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله منشأها إيجاده تعالى إياها جميعا وإظهاره لها من كتم العدم فهو فاطر السماوات والأرض ولذا يتوجه إليه تعالى قلوب أوليائه والمخلصين من عباده من طريق هذا الاسم الذي يفيد وجوده تعالى لذاته وإيجاده لغيره قال تعالى:"قالت رسلهم أ في الله شك فاطر السموات والأرض": إبراهيم: 10.

ولذا بدأ به يوسف (عليه السلام) - وهو من المخلصين - في ذكر ولايته فقال:"فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة"أي إني تحت ولايتك التامة من غير أن يكون لي صنع في نفسي واستقلال في ذاتي وصفاتي وأفعالي أو أملك لنفسي شيئا من نفع أو ضر أو موت أو حياة أو نشور.

وقوله:"توفني مسلما وألحقني بالصالحين"لما استغرق (عليه السلام) في مقام الذلة قبال رب العزة وشهد بولايته له في الدنيا والآخرة سأله سؤال المملوك المولى عليه أن يجعله كما يستدعيه ولايته عليه في الدنيا والآخرة وهو الإسلام ما دام حيا في الدنيا والدخول في زمرة الصالحين في الآخرة فإن كمال العبد المملوك أن يسلم لربه ما يريده منه ما دام حيا ولا يظهر منه ما يكرهه ولا يرتضيه فيما يرجع إليه من الأعمال الاختيارية وأن يكون صالحا لقرب مولاه لائقا لمواهبه السامية فيما لا يرجع إلى العبد واختياره ، وهو سؤاله (عليه السلام) الإسلام في الدنيا والدخول في زمرة الصالحين في الآخرة وهو الذي منحه الله سبحانه لجده إبراهيم (عليه السلام) :"و لقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين": البقرة: 131.

وهذا الإسلام الذي سأله (عليه السلام) أقصى درجات الإسلام وأعلى مراتبه ، وهو التسليم المحض لله سبحانه ، وهو أن لا يرى العبد لنفسه ولا لآثار نفسه شيئا من الاستقلال حتى لا يشغله شيء من نفسه ولا صفاتها ولا أعمالها من ربه ، وإذا نسب إليه تعالى كان إخلاصه عبده لنفسه.

ومما تقدم يظهر أن قوله:"توفني مسلما"سؤال منه لبقاء الإخلاص واستمرار الإسلام ما دام حيا وبعبارة أخرى أن يعيش مسلما حتى يتوفاه الله فهو كناية عن أن يثبته الله على الإسلام حتى يموت ، وليس يراد به أن يموت في حال الإسلام ولو لم يكن قبل ذلك مسلما ، ولا سؤالا للموت وهو مسلم حتى يكون المعنى أني مسلم فتوفني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت