فهرس الكتاب

الصفحة 2351 من 4314

و قوله:"تلك آيات الكتاب"ظاهر سياق الآية وما يتلوها من الآيات الثلاث على ما بها من الاتصال وهي تعد الآيات الكونية من رفع السماوات ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك الدالة على توحيد الله سبحانه الذي يفصح عنه القرآن الكريم وتندب إليه الدعوة الحقة ، وهي تذكر أن التدبر في تفصيلها والتفكر فيها يورث اليقين بالمبدإ والمعاد والعلم ، بأن الذي أنزل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حق.

فظاهر ذلك كله أن يكون المراد بالآيات المشار إليها بقوله:"تلك آيات الكتاب"الموجودات الكونية والأشياء الخارجية المسخرة في النظام العام الإلهي ، والمراد بالكتاب هو مجموع الكون الذي هو بوجه اللوح المحفوظ أو المراد به القرآن الكريم بما يشتمل على الآيات الكونية بنوع من العناية والمجاز.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى نوعين من الدلالة وهما الدلالة الطبيعية التي تتلبس بها الآيات الكونية من السماء والأرض وما بينهما ، والدلالة اللفظية التي تتلبس بها الآيات القرآنية المنزلة من عنده تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويكون قوله:"و لكن أكثر الناس لا يؤمنون"استدراكا متعلق بالجملتين معا أعني بقوله:"تلك آيات الكتاب"وقوله:"و الذي أنزل إليك من ربك الحق"لا بالجملة الأخيرة فحسب.

والمعنى - والله أعلم - تلك الأمور الكونية - وقد أشير بلفظ البعيد دلالة على ارتفاع مكانتها - آيات الكتاب العام الكوني دالة على أن الله سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته والقرآن الذي أنزل إليك من ربك حق ليس بباطل - واللام في قوله:"الحق"للحصر فتفيد المحوضة - فتلك آيات قاطعة في دلالتها وهذا حق في نزوله ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، لا بتلك الآيات العينية ولا بهذا الحق النازل ، وفي لحن الكلام شيء من اللوم والعتاب.

وقد بان مما مر أن اللام في قوله:"الحق"للحصر ، ومفاده أن الذي أنزل إليه حق فحسب وليس بباطل ولا مختلطا من حق وباطل.

وللمفسرين في تركيب الآية ومعنى مفرداتها كالمراد باسم الإشارة والمراد بالآيات وبالكتاب ومعنى الحصر في قوله:"الحق"والمراد بأكثر الناس أقوال متنوعة مختلفة والأظهر الأنسب لسياق الآيات هو ما قدمناه وعلى من أراد الاطلاع على تفصيل أقوالهم أن يراجع المطولات.

قوله تعالى:"الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش"إلى آخر الآية ، قال الراغب في المفردات ،: العمود ما تعتمد عليه الخيمة وجمعه عمد - بضمتين - وعمد - بفتحتين - قال: في عمد ممددة ، وقرىء في عمد ، وقال: بغير عمد ترونها انتهى.

وقيل: إن العمد بفتحتين اسم جمع للعماد لا جمع.

والمراد بالآية التذكير بدليل ربوبيته تعالى وحده لا شريك له وإن السماوات مرفوعة بغير عمد تعتمد عليها تدركها أبصاركم وهناك نظام جار وهناك شمس وقمر مسخران يجريان إلى أجل مسمى ، ولا بد ممن يقوم على هذه الأمور فيرفع السماء وينظم النظام ويسخر الشمس والقمر ويدبر الأمر ويفصل هذه الآيات بعضها عن بعض تفصيلا فيه رجاء أن توقنوا بلقاء ربكم فالله سبحانه هو ذاك القائم بما ذكر من أمر رفع السماوات وتنظيم النظام وتسخير الشمس والقمر وتدبير الأمر وتفصيل الآيات فهو تعالى رب الكل لا رب غيره.

فقوله:"الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها"رفع السماوات هو فصلها من الأرض فصلا يتسلط به على الأرض بإلقاء أشعتها وإنزال أمطارها وصواعقها عليها وغير ذلك فهي مرفوعة على الأرض من غير عمد محسوسة للإنسان تعتمد عليها فعلى الإنسان أن يتفطن أن لها رافعا حافظا لها أن تتحول من مكانها ممسكا لها أن تزول من مستقرها.

وذلك أن استقرار السماوات في رفيع مستقرها من غير عمد وإن لم يكن بأعجب من استقرار الأرض في مستقرها وهما محتاجتان في ذلك إليه تعالى قائمتان مقامهما بقدرته وإرادته ذلك من طريق أسباب مختصة بهما بإذنه تعالى ، ولو كانت السماوات مرفوعة معتمدة على عمد منصوبة لم يغنها ذلك عن الحاجة إليه تعالى والافتقار إلى قدرته وإرادته فالأشياء كلها في حالاتها محتاجة إليه تعالى احتياجا مطلقا لا يزول عنها أبدا ولا في حال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت