لكن الإنسان - في عين أنه يرى قانون العلية الكلي ويذعن بحاجة الحوادث إلى علل موجدة ، وفي فطرته البحث عن علل الحوادث والأمور الممكنة - إذا وجد بعض الحوادث مقرونا بعلله وتكرر ذلك على حسه أقنعه ذلك ولم يتعجب من مشاهدته على حاله ولا بحث عنه فإذا رأى الأجرام الثقيلة تسقط على الأرض ثم وجد سقفا مرتفعا عن الأرض لا تسقط عليها تعجب وبحث عن ذلك حتى يحصل على أركان أو أعمدة يقوم عليها السقف وعند ذلك مع ما فيه من التكرر على الحس تقف نفسه عن البحث في كل مورد يشاهد فيه شيئا رفيعا معتمدا على أعمدة أو أركان.
أما إذا وجد أمرا يخرق هذه العادة المألوفة له كالأجرام العلوية القائمة على سمكها من غير عماد تعتمد عليه والطير الصافات ويقبضن فعند ذلك تنتزع نفسه إلى البحث عن السبب الفاعل له كالمتنبه من رقدته.
فقوله تعالى:"رفع السماوات بغير عمد ترونها"إنما وصف السماوات فيه بقوله:"بغير عمد ترونها"لا للدلالة على نفي مطلق العماد عنها على أن يكون قوله:"ترونها"وصفا توضيحيا لا مفهوم له ، أو الدلالة على نفي العماد المحسوس فيفيد على التقديرين أنها لما لم تكن لها عمد كان الله سبحانه هو الرافع الممسك لها من غير توسيط سبب ، ولو كانت لها أعمدة كسائر ما يعتمد على عماد لكانت الأعمدة هي الرافعة الممسكة لها من غير حاجة إلى الله سبحانه كما ربما يذهب إليه أوهام العامة أن الذي يستند إلى الله من الأمور هو ما يجهل سببه كالأمور السماوية والحوادث الجوية والروح وأمثال ذلك.
فإن كلامه تعالى ينص أولا على أن كل ما يصدق عليه الشيء ما خلا الله فهو مخلوق لله وكل خلق وأمر لا يخلو عن الاستناد إليه كما قال تعالى:"الله خالق كل شيء": الرعد: 16 ، وقال:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54.
وثانيا: على أن سنة الأسباب جارية مطردة وأنه تعالى على صراط مستقيم فلا معنى لكون حكم الأسباب جاريا في بعض الأمور الجسمانية غير جار في بعض.
واستناد بعض الحوادث كالحوادث الأرضية إليه تعالى بواسطة الأسباب ، واستناد بعضها الآخر كالأمور السماوية مثلا إليه تعالى بلا واسطة ، فإن قام سقف مثلا على عمود فقد قام بسبب خاص به بإذن الله ، وإن قام جرم سماوي من غير عمود يقوم عليه فقد قام أيضا بسبب خاص به كطبيعته الخاصة أو التجاذب العام مثلا بإذن الله.
بل إنما قيد رفع السماوات بقوله:"بغير عمد ترونها"لتنبيه فطرة الناس وإيقاظها لتنتزع إلى البحث عن السبب وينتهي ذلك لا محالة إلى الله سبحانه ، وقد سلك نظير هذا المسلك في قوله في الآية التالية:"و هو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا"على ما سنوضحه.
ولما كان المطلوب في المقام - على ما يهدي إليه سياق الآيات - هو توحيد الربوبية وبيان أن الله سبحانه رب كل شيء لا رب سواه لا أصل إثبات الصانع عقب قوله:"رفع السماوات"إلخ بقوله:"ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر"إلخ ، الدال على التدبير العام المتحد باتصال بعض أجزائه ببعض ليثبت به أن رب الجميع ومالكها المدبر لأمرها واحد.
وذلك أن الوثنية الذين يناظرهم القرآن لا ينكرون أن خالق الكل وموجده واحد لا شريك له في إيجاده وإبداعه ، وهو الله سبحانه ، وإنما يرون أنه فوض تدبير كل شأن من شئون الكون ونوع من أنواعه كالأرض والسماء والإنسان والحيوان والبر والحرب والسلم والحياة والموت إلى واحد من الموجودات القوية فينبغي أن يعبد ليجلب بها خيره ويتقي بها شره فلا ينفع في ردهم إلا قصر الربوبية في الله سبحانه وإثبات أنه رب لا رب سواه ، وأما توحيد الألوهية بمعنى إثبات أن الواجب الوجود واحد لا واجب غيره وإليه ينتهي كل وجود فهو أمر لا تنكره الوثنية ولا يضرهم شيئا.
ومن هنا يظهر أن قوله:"الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها"موضوع في صدر الآية توطئة وتمهيدا لقوله:"ثم استوى على العرش"إلخ من غير أن يكون مقصودا بالذات فيما سيق من البرهان فوزان هذا الصدر من ذيله وزان الصدر من الذيل في قوله تعالى:"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش"إلخ: الأعراف: 54 ، يونس: 3 ، وما يشابهها من الآيات.