و يظهر أيضا: أن قوله:"بغير عمد"متعلق برفع و"ترونها"وصف للعمد والمراد رفعها بغير عمد محسوسة مرئية ، وأما قول من يجعل:"ترونها"جملة مستأنفة تفيد دفع الدخل كأن السامع لما سمع قوله:"رفع السماوات بغير عمد"قال: ما الدليل على ذلك؟ فأجيب وقيل:"ترونها"أي الدليل على ذلك أنها مرئية لكم ، فبعيد.
إلا على تقدير أن يكون المراد بالسماوات مجموع جهة العلو على ما فيها من أجرام النجوم والكواكب والهواء المتراكم فوق الأرض والسحب والغمام فإنها جميعا مرفوعة من غير عمد ومرئية للإنسان.
وقوله:"ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر"تقدم الكلام في معنى العرش والاستواء والتسخير في تفسير سورة الأعراف الآية 54.
وقوله:"كل يجري لأجل مسمى"أي كل منهما يجري إلى أجل معين يقف عنده ولا يتعداه كذا قيل ومن الجائز بل الراجح أن يكون الضمير المحذوف ضمير جمع راجعا إلى الجميع والمعنى كل من السماوات والشمس والقمر يجري إلى أجل مسمى فإن حكم الجري والحركة عام مطرد في جميع هذه الأجسام.
وقد تقدم الكلام في معنى الأجل المسمى في تفسير سورة الأنعام الآية 1 فراجع.
وقوله:"يدبر الأمر"التدبير هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء ويراد به ترتيب الأشياء المتعددة المختلفة ونظمها بوضع كل شيء في موضعه الخاص به بحيث يلحق بكل منها ما يقصد به من الغرض والفائدة ولا يختل الحال بتلاشي الأصل وتفاسد الأجزاء وتزاحمها يقال: دبر أمر البيت أي نظم أموره والتصرفات العائدة إليه بحيث أدى إلى صلاح شأنه وتمتع أهله بالمطلوب من فوائده.
فتدبير أمر العالم نظم أجزائه نظما جيدا متقنا بحيث يتوجه به كل شيء إلى غايته المقصودة منه وهي آخر ما يمكنه من الكمال الخاص به ومنتهى ما ينساق إليه من الأجل المسمى ، وتدبير الكل إجراء النظام العام العالمي بحيث يتوجه إلى غايته الكلية وهي الرجوع إلى الله وظهور الآخرة بعد الدنيا.
وقوله:"يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون"ظاهر السياق أن المراد بالآيات هي الآيات الكونية فالمراد بتفصيلها هو تمييز بعضها من بعض وفتقها بعد رتقها ، وهذا من سنته تعالى يفصل الأشياء ويميز كل شيء من كل شيء ويخرج من كل شيء ما هو كامن فيه مستخف في باطنه فينفصل به النور من الظلمة والحق من الباطل والخير من الشر والصالح من الطالح والمثيب من المجرم.
ولذا عقبه بقوله:"لعلكم بلقاء ربكم توقنون"فإن يوم اللقاء هو الساعة التي سماها الله بيوم الفصل ووعد فيه تمييز المتقين من المجرمين والفجار قال:"إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين": الدخان 40 ، وقال:"و امتازوا اليوم أيها المجرمون": يس: 59 ، وقال:"ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون": الأنفال: 37.
والأشهر عند المفسرين أن المراد بالآيات آيات الكتب المنزلة من عند الله فالمراد بتفصيلها لغرض كذا شرحها وكشفها بالبيان في الكتب المنزلة على أنبياء الله ليتدبر فيها الناس ويتفكروا ويفقهوا فإن في ذلك رجاء أن يوقنوا بلقاء الله تعالى والرجوع إليه وما قدمناه من المعنى أوضح لزوما وأمس بالسياق.
وفي قوله:"لعلكم بلقاء ربكم"ولم يقل: لعلكم بلقائه ، وضع الظاهر موضع المضمر والوجه فيه الإصرار على تثبيت الربوبية والتأكيد له والإشارة إلى أن الذي خلق العالم ودبر أمره فصار ربا له هو رب لكم أيضا فلا رب إلا رب واحد لا شريك له.
قوله تعالى:"و هو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا"إلى آخر الآية الرواسي جمع راسية من رسا إذا ثبت وقر ، والمراد بها الجبال لثباتها في مقرها ، والزوج خلاف الفرد ويطلق على مجموع الأمرين وعلى أحدهما فهما زوج وهما زوجان ، وربما يقيد الزوجان باثنين تأكيدا للدلالة على أن المراد هو اثنان لا أربعة كما في الآية.
وقوله:"هو الذي مد الأرض"أي بسطها بسطا صالحا لأن يعيش فيه الحيوان وينبت فيه الزرع والشجر ، والكلام في نسبة مد الأرض إليه تعالى وكونه كالتوطئة والتمهيد لما يلحق به من قوله:"و جعل فيها رواسي وأنهارا"إلخ ، نظير الكلام في قوله في الآية السابقة:"الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها".