فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 4314

و قوله:"و جعل فيها رواسي وأنهارا"الضمير للأرض والكلام مسوق بحيث يستتبع بعض أجزائه بعضا والغرض - والله أعلم - بيان تدبيره تعالى أمر سكنة الأرض من إنسان وحيوان في حركته لطلب الرزق وسكونه للارتياح فقد مد الله سبحانه الأرض ولو لا ذلك لم يصلح لبقاء نوع الإنسان والحيوان ولو كانت ممدودة فحسب من غير ارتفاع وانخفاض في سطحها لم تصلح لظهور ما ادخر فيها من خزائن الماء على سطحها لشرب الزروع والبساتين فجعل سبحانه فيها الجبال الرواسي وادخر فيها ما ينزل على الأرض من ماء السماء وشق من أطرافها أنهارا وفجر منها عيونا مطلة على السهل تسقي الزروع والجنان فيخرج به ثمرات مختلفة حلوة ومرة صيفية وشتوية برية وأهلية ، وسلط على وجه الأرض الليل والنهار وهما عاملان قويان في رشد الأثمار والفواكه بتسليط الحرارة والبرودة المؤثرتين في النضج والنمو والانبساط والانقباض ، وتسليط الضوء والظلمة النظامين لحركة الدواب والإنسان وسعيهما في طلب الرزق وسكونهما للنوم والرقدة.

فمد الأرض يسهل الطريق لجعل الجبال الرواسي وذلك لشق الأنهار وذلك لجعل الثمرات المزدوجة المختلفة وبالليل والنهار يتم المطلوب وفي ذلك كله تدبير متصل متحد يكشف عن مدبر حكيم واحد لا شريك له في ربوبيته ، وإن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

وقوله:"و من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين"أي ومن جميع الثمرات الممكنة الكينونة جعل في الأرض أنواعا متخالفة نوعا يخالف آخر كالصيفي والشتوي والحلو وغيره والرطب واليابس.

هذا هو المعروف في تفسير زوجين اثنين فالمراد بالزوجين الصنف يخالفه صنف آخر سواء كانا صنفين لا ثالث لهما أم لا ، نظير ما تأتي فيه التثنية للتكرير كقوله تعالى:"ثم ارجع البصر كرتين": الملك: 4 أريد به الرجوع كرة بعد كرة وإن بلغ من الكثرة ما بلغ.

وقال في تفسير الجواهر في قوله تعالى:"زوجين اثنين": جعل فيها من كل أصناف الثمرات الزوجين اثنين ذكر وأنثى في أزهارها عند تكونها فقد أظهر الكشف الحديث أن كل شجر وزرع لا يتولد ثمره وحبه إلا من بين اثنين ذكر وأنثى.

فعضو الذكر قد يكون مع عضو الأنثى في شجرة واحدة كأغلب الأشجار وقد يكون عضو الذكر في شجرة والآخر في شجرة أخرى كالنخل ، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة إما أن يكونا معا في زهرة واحدة ، وإما أن يكون كل منهما في زهرة وحده والثاني كالقرع والأول كشجرة القطن فإن عضو التذكير مع عضو التأنيث في زهرة واحدة.

انتهى.

وما ذكره وإن كان من الحقائق العلمية التي لا غبار عليها إلا أن ظاهر الآية الكريمة لا يساعد عليه فإن ظاهرها أن نفس الثمرات زوجان اثنان لا أنها مخلوقة من زوجين اثنين ولو كان المراد ذلك لكان الأنسب به أن يقال: وكل الثمرات جعل فيها من زوجين اثنين.

نعم لا بأس أن يستفاد ذلك من مثل قوله تعالى:"سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض": يس: 36 وقوله:"و أنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم": لقمان: 10 وقوله:"و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون": الذاريات: 49.

وذكر بعضهم أن زوجين اثنين الذكر والأنثى والحلو والحامض وسائر الأصناف فيكون الزوجان أربعة أفراد الذكر والأنثى وكل منهما مختلف بصفات هي أكثر من واحد كالحلو وغيره والصيفي وخلافه.

وهو كما ترى.

وقوله:"يغشي الليل النهار"أي يلبس ظلمة الليل ضوء النهار فيظلم الهواء بعد ما كان مضيئا ، وذكر بعضهم أن المراد به إغشاء كل من الليل والنهار غيره وتعقيب الليل النهار والنهار الليل ، ولا قرينة تدل على ذلك.

ثم ختم الآية بقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"فإن التفكر في النظام الجاري عليها الحاكم فيها القاضي باتصال بعضها ببعض وتلاؤم بعضها مع بعض المؤدي إلى توجه المجموع وكل جزء من أجزائها إلى غايات تخصها يكشف عن ارتباطها بتدبير واحد عقلي في غاية الإتقان والإحكام فيدل على أن لها ربا واحدا لا شريك له في ربوبيته عليما لا يعتريه جهل قديرا لا يغلب في قدرته ذا عناية بكل شيء وخاصة بالإنسان يسوقه إلى ما فيه سعادته الخالدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت