فهرس الكتاب

الصفحة 2355 من 4314

قوله تعالى:"و في الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان"إلى آخر الآية ، قال الراغب: الصنو الغصن الخارج عن أصل الشجرة يقال: هما صنوا نخلة وفلان صنو أبيه والتثنية صنوان وجمعه صنوان قال تعالى: صنوان وغير صنوان.

انتهى ، وقال: والأكل لما يؤكل بضم الكاف وسكونه قال تعالى:"أكلها دائم"والأكلة للمرة والأكلة كاللقمة.

انتهى.

والمعنى أن من الدليل على أن هذا النظام الجاري قائم بتدبير مدبر وراءه يخضع له الأشياء بطبائعها ويجريها على ما يشاء وكيف يشاء أن في الأرض قطعا متجاورات متقاربة بعضها من بعض متشابهة في طبع ترابها وفيها جنات من أعناب والعنب من الثمرات التي تختلف اختلافا عظيما في الشكل واللون والطعم والمقدار واللطافة والجودة وغير ذلك ، وفيها زرع مختلف في جنسه وصنفه من القمح والشعير وغير ذلك ، وفيها نخيل صنوان أي أمثال نابتة على أصل مشترك فيه وغير صنوان أي متفرقة تسقي الجميع من ماء واحد ونفضل بعضها على بعض بما فيه من المزية المطلوبة في شيء من صفاته.

فإن قيل: هذه الاختلافات راجعة إلى طبائعها الخاصة بكل منها أو العوامل الخارجية التي تعمل فيها فتتصرف في إشكالها وألوانها وسائر صفاتها على ما تفصل الأبحاث العلمية المتعرضة لشئونها الشارحة لتفاصيل طبائعها وخواصها ، والعوامل التي تؤثر في كيفية تكونها وتتصرف في صفاتها.

قيل: نعم لكن ينتقل السؤال حينئذ إلى سبب اختلاف هذه الطبائع الداخلية والعوامل فما هي العلة في اختلافها المؤدية إلى اختلاف الآثار؟ وتنتهي بالأخرة إلى المادة المشتركة بين الكل المتشابهة الأجزاء ، ومثلها لا يصلح لتعليل هذا الاختلاف المشهود فليس إلا أن هناك سببا فوق هذه الأسباب أوجد هو المادة المشتركة ، ثم أوجد فيها من الصور والآثار ما شاء ، وبعبارة أخرى هناك سبب واحد ذي شعور وإرادة تستند هذه الاختلافات إلى إراداته المختلفة ولولاه لم يتميز شيء من شيء ولا اختلف في شيء هذا.

ومن الواجب على الباحث المتدبر في هذه الآيات أن يتنبه أن استناد اختلاف الخلقة إلى اختلاف إرادة الله سبحانه ليس إبطالا لقانون العلة والمعلول كما ربما يتوهم فإن إرادة الله سبحانه ليست صفة طارئة لذاته كإرادتنا حتى تتغير ذاته بتغير الإرادات بل هذه الإرادات المختلفة صفة فعله ومنتزعة من العلل التامة للأشياء فليكن عندك إجمال هذا المطلب حتى يوافيك توضيحه في محل يناسبه إن شاء الله.

ولما كانت الحجة مبنية على مقدمات عقلية لا تتم بدونها عقبها بقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".

وقد ظهر من البيان المتقدم أن نسبة اختلاف الأكل إليه تعالى من غير ذكر الواسطة أو الوسائط مثل نسبة رفع السماء بغير عمد مرئية ومد الأرض وجعل الجبال والأنهار إليه تعالى بإسقاط الوسائط ، والمراد بذلك تنبيه فطرة السامعين لتنتزع إلى البحث عن سبب الاختلافات وتنتهي بالآخرة إلى الله عز من سبب.

وفي الآية التفات لطيف من الغيبة إلى التكلم بالغير وهو ما في قوله تعالى:"و نفضل بعضها على بعض في الأكل"ولعل النكتة فيه تعريف السبب الحقيقي بأوجز بيان كأنه قيل: ويفضل بعضها على بعض في الأكل وليس المفضل إلا الله سبحانه ثم عرف المتكلم نفسه وأظهر بلفظ التعظيم أنه هو السبب الذي يبحث عنه الباحثون وإلى حضرته ينتهي هذا التفضيل ثم أوجز هذا التفضيل فقيل:"و نفضل بعضها على بعض في الأكل"ولا يخلو التعبير بلفظ المتكلم مع الغير عن إشعار بأن هناك أسبابا إلهية دون الله سبحانه عاملة بأمره ومنتهية إليه سبحانه.

وقد ظهر مما تقدم أن الآية إنما سيقت حجة لتوحيد الربوبية لا لإثبات الصانع أو توحيد الذات ، وملخصها أن اختلاف الآثار في الأشياء مع وحدة الأصل يكشف عن استنادها إلى سبب وراء الطبيعة المشتركة المتحدة وانتظامها عن مشيته وتدبيره فالمدبر لها هو الله سبحانه وهو ربها لا رب غيره ، فما يتراءى من المفسرين أن الآية مسوقة لإثبات الصانع في غير محله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت