و الآية تدل على أن الأرض لا تخلو من هاد يهدي الناس إلى الحق إما نبي منذر وإما هاد غيره يهدي بأمر الله وقد مر بعض ما يتعلق بالمقام في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي أبحاث الإمامة في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى:"الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار"قال في المفردات ،: غاض الشيء وغاضه غيره نحو نقص ونقصه غيره قال تعالى:"و غيض الماء""و ما تغيض الأرحام"أي تفسده الأرحام فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض والغيضة المكان الذي يقف فيه الماء فيبتلعه وليلة غائضة أي مظلمة انتهى.
وعلى هذا فالأنسب أن تكون الأمور الثلاثة المذكورة في الآية أعني قوله:"ما تحمل كل أنثى"و"ما تغيض الأرحام"و"ما تزداد"إشارة إلى ثلاثة من أعمال الأرحام في أيام الحمل فما تحمله كل أنثى هو الجنين الذي تعيه وتحفظه وما تغيضه الأرحام هو دم الحيض تنصب فيها فتصرفه الرحم في غذاء الجنين ، وما تزداده هو الدم التي تدفعها إلى خارج كدم النفاس والدم أو الحمرة التي تراها أيام الحمل أحيانا وهو الذي يظهر من بعض ما روي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وربما ينسب إلى ابن عباس.
وأكثر المفسرين على أن المراد بما تغيض الأرحام الوقت الذي تنقصه الأرحام من مدة الحمل وهي تسعة أشهر ، والمراد بما تزداد ما تزيد على ذلك.
وفيه خلوة عن شاهد يشهد عليه فإن الغيض بهذا المعنى نوع من الاستعارة التي لا غنى لها عن القرينة.
ويروى عن بعضهم أن المراد بما تغيض الأرحام ما تنقص عن أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر وهو السقط وبما تزداد ما يولد لأقصى مدة الحمل ، وعن بعض آخر أن الغيض النقصان من الأجل والإزدياد الإزدياد فيه.
ويرد على الوجهين ما أوردناه على سابقهما ، وقد عرفت أن الأنسب بسياق الآية النقص والزيادة فيما يقذف في الرحم من الدم.
وقوله:"و كل شيء عنده بمقدار"المقدار هو الحد الذي يحد به الشيء ويتعين ويمتاز به من غيره إذ لا ينفك الشيء الموجود عن تعين في نفسه وامتياز من غيره ولو لا ذلك لم يكن موجدا البتة.
وهذا المعنى أعني كون كل شيء مصاحبا لمقدار وقرينا لحد لا يتعداه حقيقة قرآنية تكرر ذكرها في كلامه تعالى كقوله:"قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق: 3 ، وقوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 وغير ذلك من الآيات.
فإذا كان الشيء محدودا بحد لا يتعداه وهو مضروب عليه ذلك الحد عند الله وبأمره ولن يخرج من عنده وإحاطته ولا يغيب عن علمه شيء كما قال:"إن الله على كل شيء شهيد": الحج: 17 وقال:"ألا إنه بكل شيء محيط": حم السجدة: 54 ، وقال:"لا يعزب عنه مثقال ذرة": السبأ: 3 فمن المحال أن لا يعلم تعالى ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد.
فذيل الآية أعني قوله:"و كل شيء عنده بمقدار"تعليل لصدرها أعني قوله:"الله يعلم ما تحمل كل أنثى"إلخ والآية وما يتلوها كالتذييل للآية السابقة أن الله يعلم بكل شيء ويقدر على كل شيء ويجيب الدعوة ويخضع له كل شيء فهو أحق بالربوبية فإليه أمر الآيات لا إليك وإنما أنت منذر.
قوله تعالى:"عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال"الغيب والشهادة كما سمعت مرارا معنيان إضافيان فالشيء الواحد يمكن أن يكون غيبا بالنسبة إلى شيء وشهادة بالنسبة إلى آخر وذلك أن الأشياء - كما تقدم - لا تخلو من حدود تلزمها ولا تنفك عنها فما كان من الأشياء داخلا في حد الشيء غير خارج عنه فهو شهادة بالنسبة إليه مشهود لإدراكه وما كان خارجا عن حد الشيء غير داخل فيه فهو غيب بالنسبة إليه غير مشهود لإدراكه.
ومن هنا يظهر أن الغيب لا يعلم به إلا الله سبحانه أما أنه لا يصير معلوما لشيء فلأن العلم نوع إحاطة ولا معنى لإحاطة الشيء بما هو خارج عن حد وجوده أجنبي عن إحاطته ، وأما أنه تعالى يعلم الغيب فلأنه تعالى غير محدود الوجود بحد وهو بكل شيء محيط فلا يمتنع شيء عنه بحده فلا يكون غيبا بالنسبة إليه وإن فرض أنه غيب بالنسبة إلى غيره.