فهرس الكتاب

الصفحة 2362 من 4314

فيرجع معنى علمه بالغيب والشهادة بالحقيقة إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه بل الغيب والشهادة اللذان يتحققان فيما بين الأشياء بقياس بعضها إلى بعض هما معا شهادتان بالنسبة إليه تعالى ، ويصير معنى قوله:"عالم الغيب والشهادة"أن الذي يمكن أن يعلم به أرباب العلم وهو الذي لا يخرج عن حد وجودهم والذي لا يمكن أن يعلموا به لكونه غيبا خارجا عن حد وجودهم هما معا معلومان مشهودان له تعالى لإحاطته بكل شيء.

وقوله"الكبير المتعال"اسمان من أسمائه تعالى الحسنى ، والكبر ويقابله الصغر من المعاني المتضائفة فإن الأجسام إذا قيس بعضها إلى بعض من حيث حجمها المتفاوت فما احتوى على مثل حجم الآخر وزيادة كان كبيرا وما لم يكن كذلك كان صغيرا ثم توسعوا فاعتبروا ذلك في غير الأجسام ، والذي يناسب ساحة قدسه تعالى من معنى الكبرياء أنه تعالى يملك كل كمال لشيء ويحيط به فهو تعالى كبير أي له كمال كل ذي كمال وزيادة.

والمتعال صفة من التعالي وهو المبالغة في العلو كما يدل عليه قوله:"تعالى عما يقولون علوا كبيرا": أسرى: 43 فإن قوله:"علوا كبيرا"مفعول مطلق لقوله:"تعالى"وموضوع في محل قولنا:"تعاليا"فهو سبحانه علي ومتعال أما أنه علي فلأنه علا كل شيء وتسلط عليه والعلو هو التسلط ، وأما أنه متعال فلأن له غاية العلو لأن علوه كبير بالنسبة إلى كل علو فهو العالي المتسلط على كان عال من كل جهة.

ومن هنا تظهر النكتة في تعقيب قوله:"عالم الغيب والشهادة"بقوله:"الكبير المتعال"لأن مفاد مجموع الاسمين أنه سبحانه محيط بكل شيء متسلط عليه ولا يتسلط عليه ولا يغلبه شيء من جهة البتة فهو يعلم الغيب كما يعلم الشهادة ولا يتسلط عليه ولا يغلبه غيب حتى يعزب عن علمه بغيبته كما لا يتسلط عليه شهادة فهو عالم الغيب والشهادة لأنه كبير متعال.

قوله تعالى:"سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار"السرب بفتحتين والسروب الذهاب في حدور وسيلان الدمع والذهاب في مطلق الطريق يقال سرب سربا وسروبا نحو مر مرا ومرورا.

كذا في المفردات ، فالسارب هو الذاهب في الطريق المعلن بنفسه.

والآية كالتفريع على الآية السابقة أي إذا كان الله سبحانه عالما بالغيب والشهادة على سواء فسواء منكم من أسر القول ومن جهر به أي بالقول والله سبحانه يعلم بقولهما ويسمع حديثهما من غير أن يخفى عليه إسرار من أسر بقوله ، وسواء منكم من هو مستخف بالليل يستمد بظلمة الليل وإرخاء سدولها لأن يخفى من أعين الناظرين ومن هو سارب بالنهار ذاهب في طريقه متبرز غير مخف لنفسه فالله يعلم بهما من غير أن يخفى المستخفي بالليل بمكيدته.

قوله تعالى:"له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله"إلخ ظاهر السياق أن الضمائر الأربع"له""يديه""خلفه""يحفظونه"مرجعها واحد ولا مرجع يصلح لها جميعا إلا ما في الآية السابقة أعني الموصول في قوله:"من أسر القول"إلخ ، فهذا الإنسان الذي يعلم به الله سبحانه في جميع أحواله هو الذي له معقبات من بين يديه ومن خلفه.

وتعقيب الشيء إنما يكون بالمجيء بعده والإتيان من عقبه فتوصيف المعقبات بقوله:"من بين يديه ومن خلفه"إنما يتصور إذا كان سائرا في طريق ، ثم طاف عليه المعقبات حوله وقد أخبر سبحانه عن كون الإنسان سائرا هذا السير بقوله:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الانشقاق: 6 وفي معناه سائر الآيات الدالة على رجوعه إلى ربه كقوله:"و إليه ترجعون": يس: 83"و إليه تقلبون": العنكبوت: 21 فللإنسان وهو سائر إلى ربه معقبات تراقبه من بين يديه ومن خلفه.

ثم من المعلوم من مشرب القرآن أن الإنسان ليس هو هذا الهيكل الجسماني والبدن المادي فحسب بل هو موجود تركب من نفس وبدن والعمدة فيما يرجع إليه من الشئون هي نفسه فلها الشعور والإرادة وإليها يتوجه الأمر والنهي وبها يقوم الثواب والعقاب والراحة والألم والسعادة والشقاء ، وعنها يصدر صالح الأعمال وطالحها ، وإليها ينسب الإيمان والكفر وإن كان البدن كالآلة التي يتوسل بها في مقاصدها ومآربها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت