فهرس الكتاب

الصفحة 2364 من 4314

و لكن ظاهر السياق لا يساعد عليه وخاصة ما تعقبه من قوله"و إذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له"فإنه أصدق شاهد على أنه يصف معنى تغييره تعالى ما بقوم حتى يغيروا فالتغيير لما كان إلى السيئة كان الأصل أعني"ما بقوم"لا يراد به إلا الحسنة فافهم ذلك.

على أن الله سبحانه يقول:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30 فيذكر أنه يعفو عن كثير من السيئات فيمحو آثارها فلا ملازمة بين أعمال الإنسان وأحواله وبين الآثار الخارجية في جانب الشر بخلاف ما في جانب الخير كما قال تعالى في نظير الآية:"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53.

وأما قوله تعالى:"و إذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له"فإنما دخل في الحديث لا بالقصد الأولي لكنه تعالى لما ذكر أن كل شيء عنده بمقدار وإن لكل إنسان معقبات يحفظونه بأمره من أمره ولا يدعونه يهلك أو يتغير أو يضطرب في وجوده والنعم التي أوتيها ، وهم على حالهم من الله لا يغيرها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم وجب أن يذكر أن هذا التغيير من السعادة إلى الشقاء ومن النعمة إلى النقمة أيضا من الأمور المحكمة المحتومة التي ليس لمانع أن يمنع من تحققها ، وإنما أمره إلى الله لا حظ فيه لغيره ، وبذلك يتم أن الناس لا مناص لهم من حكم الله في جانبي الخير والشر وهم مأخوذ عليهم وفي قبضته.

فالمعنى: وإذا أراد الله بقوم سوء ولا يريد ذلك إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من سمات معبودية ومقتضيات الفطرة فلا مرد لذلك السوء من شقاء أو نقمة أو نكال.

ثم قوله:"و ما لهم من دونه من وال"عطف تفسيري على قوله:"إذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له"ويفيد معنى التعليل له فإنه إذا لم يكن لهم من وال يلي أمرهم إلا الله سبحانه لم يكن هناك أحد يرد ما أراد الله بهم من السوء.

فقد بان من جميع ما تقدم أن معنى الآية - على ما يعطيه السياق - والله أعلم - أن لكل من الناس على أي حال كان معقبات يعقبونه في مسيره إلى الله من بين يديه ومن خلفه أي في حاضر حاله وماضيه يحفظونه بأمر الله من أن يتغير حاله بهلاك أو فساد أو شقاء بأمر آخر من الله ، وهذا الأمر الآخر الذي يغير الحال إنما يؤثر أثره إذا غير قوم ما بأنفسهم فعند ذلك يغير الله ما عندهم من نعمة ويريد بهم السوء وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له لأنهم لا والي لهم يلي أمرهم من دونه حتى يرد ما أراد الله بهم من سوء.

وقد تبين بذلك أمور: أحدها: أن الآية كالبيان التفصيلي لما تقدم في الآيات السابقة من قوله:"و كل شيء عنده بمقدار"فإن الجملة تفيد أن للأشياء حدودا ثابتة لا تتعداها ولا تتخلف عنها عند الله حتى تعزب عن علمه ، وهذه الآية تفصل القول في الإنسان أن له معقبات من بين يديه ومن خلفه موكلة عليه يحفظونه وجميع ما يتعلق به من أن يهلك أو يتغير عما هو عليه ، ولا يهلك ولا يتغير إلا بأمر آخر من الله.

الثاني: أنه ما من شيء من الإنسان من نفسه وجسمه وأوصافه وأحواله وأعماله وآثاره إلا وعليه ملك موكل يحفظه ، ولا يزال على ذلك في مسيره إلى الله حتى يغير فالله سبحانه هو الحافظ وله ملائكة حفظة عليها ، وهذه حقيقة قرآنية.

الثالث: أن هناك أمرا آخر يرصد الناس لتغيير ما عندهم وقد ذكر الله سبحانه من شأن هذا الأمر أنه يؤثر فيما إذا غير قوم ما بأنفسهم فعند ذلك يغير الله ما بهم من نعمة بهذا الأمر الذي يرصدهم ، ومن موارد تأثيره مجيء الأجل المسمى الذي لا يختلف ولا يتخلف ، قال تعالى:"ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وقال:"إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر": نوح: 4.

الرابع: أن أمره تعالى هو المهيمن المتسلط على متون الأشياء وحواشيها على أي حال وأن كل شيء حين ثباته وحين تغيره مطيع لأمره خاضع لعظمته ، وأن الأمر الإلهي وإن كان مختلفا بقياس بعضه إلى بعض منقسما إلى أمر حافظ وأمر مغير ذو نظام واحد لا يتغير وقد قال تعالى:"إن ربي على صراط مستقيم": هود 56 ، وقال:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت