الخامس: أن من القضاء المحتوم والسنة الجارية الإلهية التلازم بين الإحسان والتقوى والشكر في كل قوم وبين توارد النعم والبركات الظاهرية والباطنية ونزولها من عند الله إليهم وبقاؤها ومكثها بينهم ما لم يغيروا كما يشير إليه قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون": الأعراف: 96 وقوله:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 وقال:"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان": الرحمن: 60.
هذا هو الظاهر من الآية في التلازم بين شيوع الصلاح في قوم ودوام النعمة عليهم ، وأما شيوع الفساد فيهم أو ظهوره من بعضهم ونزول النقمة عليهم فالآية ساكتة عن التلازم بينهما وغاية ما يفيده قوله:"لا يغير ما بقوم حتى يغيروا"جواز تغيره تعالى عند تغييرهم وإمكانه لا وجوبه وفعليته ، ولذلك غير السياق فقال:"و إذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له"ولم يقل: فيريد الله بهم من السوء ما لا مرد له.
ويؤيد هذا المعنى قوله:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30 حيث يدل صريحا على أن بعض التغيير عند التغيير معفو عنه.
وأما الفرد من النوع فالكلام الإلهي يدل على التلازم بين صلاح عمله وبين النعم المعنوية وعلى التغير عند التغير دون التلازم بين صلاحه والنعم الجسمانية.
والحكمة في ذلك كله ظاهرة فإن التلازم المذكور مقتضى حكم التلاؤم والتوافق بين أجزاء النظام وسوق الأنواع إلى غاياتها فإن الله جعل للأنواع غايات وجهزها بما يسوقها إلى غاياتها ثم بسط تعالى التلاؤم والتوافق بين أجزاء هذا النظام كان المجموع شيئا واحدا لا معاندة ولا مضادة بين أجزائه فمقتضى طباعها أن يعيش كل نوع في عافية ونعمة وكرامة حتى يبلغ غايته فإذا لم ينحرف النوع الإنساني عن مقتضى فطرته الأصلية ولا منحرف من الأنواع ظاهرا غيره جرى الكون على سعادته ونعمته ولم يعدم رشدا ، وأما إذا انحرف عن ذلك وشاع فيه الفساد أفسد ذلك التعادل بين أجزاء الكون وأوجب ذلك هجرة النعمة واختلال المعيشة وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم الله بعض ما عملوا لعلهم يرجعون.
وهذا المعنى كما لا يخفى إنما يتم في النوع دون الشخص ولذلك كان التلازم بين صلاح النوع والنعم العامة المفاضة عليهم ولا يجري في الأشخاص لأن الأشخاص ربما بطلت فيها الغايات بخلاف الأنواع فإن بطلان غاياتها من الكون يوجب اللعب في الخلقة قال تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين": الدخان: 38 وقد تقدم بعض الكلام في هذا الباب في أبحاث الأعمال في الجزء الثاني من الكتاب.
وبما تقدم يظهر فساد الاعتراض على الآية حيث إنها تفيد بظاهرها أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك خلاف ما قررته الشريعة من عدم جواز أخذ العامة بذنوب الخاصة هذا فإنه أجنبي عن مفاد الآية بالكلية.
هذا بعض ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وللمفسرين في تفسيرها اختلاف شديد من جهات شتى: من ذلك اختلافهم في مرجع الضمير في قوله:"له معقبات"فمن قائل: إن الضمير راجع إلى"من"في قوله:"من أسر القول"إلخ ، كما قدمناه ، ومن قائل: إنه يرجع إليه تعالى أي لله ملائكة معقبات من بين يدي الإنسان ومن خلفه يحفظونه.
وفيه أنه يستلزم اختلاف الضمائر.
على أنه يوجب وقوع الالتفات في قوله:"من أمر الله"من غير نكتة ظاهرة ، ومن قائل: إن الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية تذكر أن الملائكة يحفظونه.
وفيه أنه كسابقه يستلزم اختلاف الضمائر والظاهر خلافه.
على أنه يوجب عدم اتصال الآية بسوابقها ولم يتقدم للنبي - (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر.
ومن قائل: إن الضمير عائد إلى من هو سارب بالنهار.
وهذا أسخف الوجوه وسنعود إليه.