و كذا قول آخرين: إن المراد بالآية خضوع جميع ما في السماوات والأرض من أولي العقل وغيرهم والتعبير بلفظ يخص أولي العقل للتغليب.
وأما قوله.
"و ظلالهم بالغدو والآصال"ففيه إلحاق أظلال الأجسام الكثيفة بها في السجود فإن الظل وإن كان عدميا من حجب الجسم بكثافته عن نفوذ النور إلا أن له آثارا خارجية وهو يزيد وينقص في طرفي النهار ويختلف اختلافا ظاهرا للحس فله نحو من الوجود ذو آثاره يخضع في وجوده وآثاره لله ويسجد له.
وهي تسجد لله سبحانه سجدة طوع في جميع الأحيان ، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر لا لما قيل: إن المراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد إذ لو أريد سجودها الدائم لكان الأنسب به أن يقال: بأطراف النهار حتى يعم جميع ما قبل الظهر وما بعده كما وقع في قوله:"و من آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى": طه: 130.
بل النكتة فيه - والله أعلم - أن الزيادة والنقيصة دائمتان للأظلال في الغداة والأصيل فيمثلان للحس السقوط على الأرض وذلة السجود ، وأما وقت الظهيرة وأوساط النهار فربما انعدمت الأظلال فيها أو نقصت وكانت كالساكنة لا يظهر معنى السجدة منها ذلك الظهور.
ولا شك في أن سقوط الأظلال على الأرض وتمثيلها لخرور السجود منظور إليه في نسبة السجود إلى الأظلال في تفيؤها ، وليس النظر مقصورا على مجرد طاعتها التكوينية في جميع أحوالها وآثارها والدليل على ذلك قوله:"أ ولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون": النحل: 48 فإن العناية بذلك ظاهرة فيه.
وليس ذلك قولا شعريا وتصويرا تخييليا يتوسل به في الدعوة الحقة في كلامه تعالى - وحاشاه - وقد نص أنه ليس بشعر بل الحقائق المتعالية عن الأوهام الثابتة عند العقل السليم البعيدة بطباعها عن الحس إذا صادفت موارد أمكن أن يظهر فيها للحس نوع ظهور ويتمثل لها بوجه كان من الحري أن يستمد به في تعليم الأفهام الساذجة والعقول البسيطة ونقلها من مرتبة الحس والخيال إلى مرحلة العقل السليم المدرك للحقائق من المعارف فإنه من الحس والخيال الحق المستظهر بالحقائق المؤيد بالحق فلا بأس بالركون إليه.
ومن هذا الباب عده تعالى ما يشاهد من الضلال المتفيئة من الأجسام المنتصبة بالغدو والآصال ساجدة لله سبحانه لما فيها من السقوط على الأرض كخرور السجود من أولي العقل.
ومن هذا الباب أيضا ما تقدم من قوله:"و يسبح الرعد بحمده"حيث أطلق التسبيح على صوت الرعد الهائل الذي يمثل لسانا ناطقا بتنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين والثناء عليه لرحمته المبشر به بالريح والسحاب والبرق مع أن الأشياء قاطبة مسبحة بحمده بوجوداتها القائمة به تعالى المعتمدة عليه ، وهذا تسبيح ذاتي منهم ودلالته دلالة ذاتية عقلية غير مرتبطة بالدلالات اللفظية التي توجد في الأصوات بحسب الوضع والاعتبار لكن الرعد بصوته الشديد الهائل يمثل للسمع والخيال هذا التسبيح الذاتي فذكره الله سبحانه بما له من الشأن لينتقل به الأذهان البسيطة إلى معنى التسبيح الذاتي الذي يقوم بذات كل شيء من غير صوت قارع ولا لفظ موضوع.
ويقرب من هذا الباب ما تقدم في مفتتح السورة في قوله تعالى:"رفع السماوات بغير عمد ترونها"وقوله:"و في الأرض قطع متجاورات"الآية إن التمسك في مقام الاحتجاج عليه تعالى بالأمور المجهول أسبابها عند الحس ليس لأن سببيته تعالى مقصورة على هذا النوع من الموجودات والأمور المعلومة الأسباب في غنى عنه تعالى فإن القرآن الكريم ينص على عموم قانون السببية وأنه تعالى فوق الجميع بل لأن الأمور التي لا تظهر أسبابها على الحس لبادىء نظرة تنبه الأفهام البسيطة وتمثل لها الحاجة إلى سبب أحسن تمثيل فتنتزع إلى البحث عن أسبابها وينتهي البحث لا محالة إلى سبب أول هو الله سبحانه ، وفي القرآن الكريم من ذلك شيء كثير.
وبالجملة فتسمية سقوط ظلال الأشياء بالغدو والآصال على الأرض سجودا منها لله سبحانه مبنية على تمثيلها في هذه الحال معنى السجدة الذاتية التي لها في ذواتها بمثال حسي ينبه الحس لمعنى السجدة الذاتية ويسهل للفهم البسيط طريق الانتقال إلى تلك الحقيقة العقلية.