فهرس الكتاب

الصفحة 2369 من 4314

و قال الراغب: الغدوة والغداة من أول النهار ، وقوبل في القرآن الغدو بالآصال نحو قوله:"و بالغدو والآصال"وقوبل الغداة بالعشي قال:"بالغداة والعشي"انتهى والغدو جمع غداة كقنى وقناة وقال في المجمع ،: الآصال جمع أصل - بضمتين - وأصل جمع أصيل فهو جمع الجمع مأخوذ من الأصل فكأنه أصل الليل الذي ينشأ منه وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس.

انتهى.

والأعمال الاجتماعية التي يؤتى بها لأغراض معنوية كالتصدر الذي يمثل به الرئاسة والتقدم الذي يمثل به السيادة والركوع الذي يظهر به الصغر والصغار والسجود الذي يظهر به نهاية تذلل الساجد وضعته قبال تعزز المسجود له واعتلائه تسمى غاياتها بأساميها كما تسمى نفسها فكما يسمى التقدم تقدما كذلك تسمى السيادة تقدما وكما أن الانحناء الخاص ركوع كذلك الصغر والصغار الخاص ركوع وكما أن الخرور على الأرض سجود كذلك التذلل سجود كل ذلك بعناية أن الغاية من العمل هي المطلوبة بالحقيقة دون ظاهر هيئة العمل.

وهذه النظرة هي التي يعتبرها القرآن الكريم في نسبة السجود وما يناظره من القنوت والتسبيح والحمد والسؤال ونحو ذلك إلى الأشياء كقوله تعالى:"كل له قانتون": البقرة: 116 وقوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": أسرى: 44 وقوله:"يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29 وقوله:"و لله يسجد ما في السماوات وما في الأرض": النحل: 49.

والفرق بين هذه الأمور المنسوبة إلى الأشياء الكونية وبينها وهي واقعة في ظرف الاجتماع الإنساني أن الغايات موجودة في القسم الأول بحقيقة معناها بخلاف القسم الثاني فإنها إنما توجد فيها بنوع من الوضع والاعتبار فذلة المكونات وضعتها تجاه ساحة العظمة والكبرياء ذلة وضعة حقيقية بخلاف الخرور على الأرض ووضع الجبهة عليها فإنه ذلة وضعة بحسب الوضع والاعتبار ولذلك ربما يتخلف.

فقوله تعالى:"و لله يسجد من في السماوات والأرض"أخذ بما تقدم من النظر ولعله إنما خص أولي العقل بالذكر حيث قال:"من في السماوات والأرض"مع شمول هذه الذلة والضعة جميع الموجودات كما في آية النحل المتقدمة وكما يشعر به ذيل الآية حيث قال:"و ظلالهم"إلخ ، لأن الكلام في السورة مع المشركين والاحتجاج عليهم فكان في ذلك بعثا لهم أن يسجدوا لله طوعا كما يسجد له من دونهم من عقلاء السماوات والأرض طوعا حتى أن ظلالهم تسجد له.

ولذلك أيضا تعلقت العناية بذكر سجود الظلال ليكون آكد في استنهاضهم فافهمه.

ثم إن هذا التذلل والتواضع ، الذي هو من عامة الموجودات لساحة ربهم عز وعلا ، خضوع ذاتي لا ينفك عنها ولا يتخلف فهو بالطوع البتة وكيف لا وليس لها من نفسها شيء حتى يتوهم لها كراهة أو امتناع وجموح وقد قال تعالى:"فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين": حم السجدة: 11.

فالعناية المذكورة توجب الطوع لجميع الموجودات في سجودهم لله تعالى وتقطع دابر الكره عنهم البتة غير أن هناك عناية أخرى ربما صححت نسبة الكره إلى بعضها في الجملة وهي أن بعض هذه الأشياء واقعة في مجتمع التزاحم مجهزة بطباع ربما عاقتها عن البلوغ إلى غاياتها ومبتغياتها أسباب أخر وهي الأشياء المستقرة في عالمنا هذا عالم المادة التي ربما زوحمت في مآربها ومنعتها عن البلوغ إلى مقتضيات طباعها موانع متفرقة ولا شك أن مخالف الطبع مكروه كما أن ما يلائمه مطلوب.

فهذه الأشياء ساجدة لله خاضعة لأمره في جميع الشئون الراجعة إليها غير أنها فيما يخالف طباعها كالموت والفساد وبطلان الآثار والآفات والعاهات ونحو ذلك ساجدة له كرها ، وفيما يلائم طباعها كالحياة والبقاء والبلوغ إلى الغايات والظفر بالكمال ساجدة له طوعا كالملائكة الكرام الذين لا يعصون الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ومما تقدم يظهر فساد قول بعضهم إن المراد بالسجدة هو الحقيقي منها يعني الخرور على الأرض بوضع الجبهة عليها مثلا فهم جميعا ساجدون غير أن المؤمن يسجد طوعا والكافر يسجد خوفا من السيف وقد نسب القول به إلى الحسن.

وكذا قول بعض: إن المراد بالسجود الخضوع فله يخضع الكل إلا أن ذلك من المؤمن خضوع طوع ومن الكافر خضوع كره لما يحل به من الآلام والأسقام ونسب إلى الجبائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت