فهرس الكتاب

الصفحة 2368 من 4314

أما الأول فقوله:"له دعوة الحق"وتقديم الظرف يفيد الحصر ويؤيده ما بعده من نفيه عن غيره ، وأما الثاني فقوله:"و الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه"وقد أخبر فيه أن الذين يدعوهم المشركون من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء وقد بين ذلك في مواضع من كلامه فإن هؤلاء المدعوين إما أصنام يدعوهم عامتهم وهي أجسام ميتة لا شعور فيها ولا إرادة ، وإما أرباب الأصنام من الملائكة أو الجن وروحانيات الكواكب والبشر كما ربما يتنبه له خاصتهم فهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكيف بغيرهم ولله الملك كله وله القوة كلها فلا مطمع عند غيره تعالى.

ثم استثنى من عموم نفي الاستجابة صورة واحدة فقط وهي ما يشبه مورد المثل المضروب بقوله:"كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه".

فإن الإنسان العطشان إذا أراد شرب الماء كان عليه أن يدنو من الماء ثم يبسط كفيه فيغترفه ويتناوله ويبلغ فاه ويرويه وهذا هو حق الطلب يبلغ بصاحبه بغيته في هدى ورشاد ، وأما الظمآن البعيد من الماء يريد الري لكن لا يأتي من أسبابه بشيء غير أنه يبسط إليه كفيه يبلغ فاه فليس يبلغ البتة فاه وليس له من طلبه إلا صورته فقط.

ومثل من يدعو غير الله سبحانه مثل هذا الباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وليس له من الدعاء إلا صورته الخالية من المعنى واسمه من غير مسمى فهؤلاء المدعوون من دون الله لا يستجيبون للذين يدعونهم بشيء ولا يقضون حاجتهم إلا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ويقضي حاجته أي لا يحصل لهم إلا صورة الدعاء كما لا يحصل لذلك الباسط إلا صورة الطلب ببسط الكفين.

ومن هنا يعلم أن هذا الاستثناء"إلا كباسط كفيه"إلخ ، لا ينتقض به عموم النفي في المستثنى منه ولا يتضمن إلا صورة الاستثناء فهو يفيد تقوية الحكم في جانب المستثنى منه فإن مفاده أن الذين يدعون من دون الله لا يستجاب لهم إلا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ولن يستجاب له ، وبعبارة أخرى لن ينالوا بدعائهم إلا أن لا ينالوا شيئا أي لن ينالوا شيئا البتة.

وهذا من لطيف كلامه تعالى ويناظر من وجه قوله تعالى الآتي:"قل أ فاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا"وآكد منه كما سيجيء إن شاء الله.

وقد تبين بما تقدم: أولا: أن قوله:"دعوة الحق"المراد به حق الدعاء وهو الذي يستجاب ولا يرد البتة ، وأما قول بعضهم: إن المراد كلمة الإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله فلا شاهد عليه من جهة السياق.

وثانيا: أن تقدير قوله"و الذين يدعون"إلخ بإظهار الضمائر: الذين يدعوهم المشركون من دون الله لا يستجيب أولئك المدعوون للمشركين بشيء.

وثالثا: أن الاستثناء من قوله:"لا يستجيبون لهم بشيء"وفي الكلام حذف وإيجاز والمعنى: لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينيلونهم شيئا إلا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وينال من بسطه ، ولعل الاستجابة مضمن معنى النيل ونحوه.

ثم أكد سبحانه الكلام بقوله:"و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال"مع ما فيه من الإشارة إلى حقيقة أصيلة أخرى وهي أنه لا غرض لدعاء إلا الله سبحانه فإنه العليم القدير والغني ذو الرحمة فلا طريق له إلا طريق التوجه إليه تعالى فمن دعا غيره وجعله الهدف لدعائه فقد الارتباط بالغرض والغاية وخرج بذلك عن الطريق فضل دعاؤه فإن الضلال هو الخروج عن الطريق وسلوك ما لا يوصل إلى المطلوب.

قوله تعالى:"و لله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال"السجود الخرور على الأرض بوضع الجبهة أو الذقن عليها قال تعالى:"و خروا له سجدا": يوسف: 100 ، وقال:"يخرون للأذقان سجدا": أسرى: 107.

والواحدة منه سجدة.

والكره ما يأتي به الإنسان من الفعل بمشقة فإن حمل عليه من خارج فهو الكره بفتح الكاف وما حمل عليه من داخل نفسه فهو الكره بضمها والطوع يقابل الكره مطلقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت