قوله تعالى:"هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال"السحاب بفتح السين جمع سحابة بفتحها ولذلك وصف بالثقال.
والإراء إظهار ما من شأنه أن يحس بالبصر للمبصر ليبصره أو جعل الإنسان على صفة الرؤية والإبصار ، والتقابل بين قوله:"يريكم"وقوله:"ينشىء"يؤيد المعنى الأول.
وقوله:"خوفا وطمعا"مفعول له أي لتخافوا وتطمعوا ، ويمكن أن يكون مصدرين بمعنى الفاعل حالين من ضمير"كم"أي خائفين وطامعين.
والمعنى: هو الذي يظهر لعيونكم البرق ليظهر فيكم صفتا الخوف والطمع كما أن المسافر يخافه والحاضر يطمع فيه ، وأهل البحر يخافونه وأهل البر يطعمون فيه ويخاف صاعقته ويطمع في غيثه ، ويخلق بإنشائه السحابات التي تثقل بالمياه التي تحملها ، وفي ذكر آية البرق بالإراءة وآية السحاب بالإنشاء لطف ظاهر.
قوله تعالى:"و يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء"إلخ ، الصواعق جمع صاعقة وهو القطعة النارية النازلة من السماء عن برق ورعد ، والجدل المفاوضة والمنازعة في القول على سبيل المغالبة ، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، والمحال بكسر الميم مصدر ماحله يماحله إذا ماكره وقاواه ليتبين أيهما أشد وجادله لإظهار مساويه ومعائبه فقوله:"و هم يجادلون في الله وهو شديد المحال"معناه - والله أعلم - أن الوثنيين - وإليهم وجه الكلام في إلقاء هذه الحجج - يجادلون في ربوبيته تعالى بتلفيق الحجة على ربوبية أربابهم كالتمسك بدأب آبائهم والله سبحانه شديد المماحلة لأنه عليم بمساويهم ومعائبهم قدير على إظهارها وفضاحتهم.
قوله تعالى:"له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء"إلى آخر الآية الدعاء والدعوة توجيه نظر المدعو إلى الداعي ويتأتى غالبا بلفظ أو إشارة ، والاستجابة والإجابة إقبال المدعو على الداعي عن دعائه ، وأما اشتمال الدعاء على سؤال الحاجة واشتمال الاستجابة على قضائها فذلك غاية متممة لمعنى الدعاء والاستجابة غير داخلة في مفهوميهما.
نعم: الدعاء إنما يكون دعاء حقيقة إذا كان المدعو ذا نظر يمكن أن يوجه إلى الداعي وذا جدة وقدرة يمكنه بهما استجابة الدعاء وأما دعاء من لا يفقه أو يفقه ولا يملك ما ترفع به الحاجة فليس بحق الدعاء وإن كان في صورته.
ولما كانت الآية الكريمة قرر فيها التقابل بين قوله"له دعوة الحق"وبين قوله:"و الذين يدعون من دونه"إلخ ، الذي يذكر أن دعاء غيره خال عن الاستجابة ثم يصف دعاء الكافرين بأنه في ضلال علمنا بذلك أن المراد بقوله:"دعوة الحق"الدعوة الحقة غير الباطلة وهي الدعوة التي يسمعها المدعو ثم يستجيبها البتة ، وهذا من صفاته تعالى وتقدس فإنه سميع الدعاء قريب مجيب وهو الغني ذو الرحمة وقد قال:"أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 وقال:"ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 فأطلق ولم يشترط في الاستجابة إلا أن تتحقق هناك حقيقة الدعاء وأن يتعلق ذلك الدعاء به تعالى لا غير.
فلفظة دعوة الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أو من الإضافة الحقيقة بعناية أن الحق والباطل كأنهما يقتسمان الدعاء فقسم منه للحق وهو الذي لا يتخلف عن الاستجابة ، وقسم منه للباطل وهو الذي لا يهتدي إلى هدف الإجابة كدعاء من لا يسمع أو لا يقدر على الاستجابة.
فهو تعالى لما ذكر في الآيات السابقة أنه عليم بكل شيء وأن له القدرة العجيبة ذكر في هذه الآية أن له حقيقة الدعاء والاستجابة فهو مجيب الدعاء كما أنه عليم قدير ، وقد ذكر ذلك في الآية بطريقي الإثبات والنفي أعني إثبات حق الدعاء لنفسه ونفيه عن غيره.